انت هنا الان: الرئيسية » القسم الاكاديمي
المقالات الاكاديمية والبحثية
تصفح هذه الورقة الالكترونية بتقنية Media To Flash Paper

 
 
          الأزمة المالية العالمية الكبرى القادمة مقاربة اقتصادية سياسية            
                                          
  يبدو للوهلة الأولى أن أميركا على وشك طي صفحة الأزمة الاقتصادية المالية الكبرى التي عصفت بمحور الاقتصاد الرأسمالي في عام 2007 هذا ما أكده العديد من الاقتصاديين الأميركان العاملين في أروقة الحكومة الأميركية، وقالوا (أنه بالرغم من أن كثيراً من الأميركيين لا يزالون بدون عمل، ويواجهون مصاعب مالية، فإننا اجتزنا الربع الثالث على التوالي من النمو الإيجابي، الذي يحمل معه بشائر خلق وظائف جديدة، ومع تحسن الاقتصاد تدريجيا سوف نقوم بتصفية "برنامج إنقاذ الأصول المتعثرة"، كما سيتحرك الكونغرس نحو تفعيل أقوى إصلاحات اقتصادية تشهدها أميركا منذ الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي، وأننا نقوم بإصلاح نظامنا الاقتصادي بتكاليف أقل كثيرا مما كان متوقعاً، كما سنعيد مليارات الدولارات التي كانت مخصصة للاستخدام في تمويل "برنامج إنقاذ الأصول المتعثرة" للشعب الأميركي، وهو إنجاز نادر الحدوث في واشنطن، فيمكن القول إن التكاليف الإجمالية لتلك الأزمة سوف تكون مجرد جزء صغير من التكاليف التي كانت مقدرة في الأصل، والتي كنا نخشى ألا نتمكن من توفيرها، بل هي أقل كثيراً من الأموال التي احتجناها من أجل حل أزمة الادخار والقروض في ثمانينيات القرن الماضي) انتهى الاقتباس. ولكن السؤال الجوهري هنا إلى متى تستمر المساندة الحكومية في ظل محدودية القرارات الاقتصادية لدى صناع القرار السياسي؟ 
   تؤكد العديد من الدراسات أن رأسمالية المنافسة الحرة بين مقاولات صغيرة نسبياً لم تتجاوز عقد  السبعينات من القرن التاسع عشر، فانطلاقا من هذا التاريخ بدأت الرأسمالية تتحول من المنافسة Competition إلى الاحتكار Monopoly ، ويقوم تفسير هذا التحول على عدد من المتغيرات أهمها: محاولة التغلب على الأزمات الاقتصادية الدورية Business Cycles التي كانت سائدة قبل هذا التاريخ، غير أن هذا التحول كان له وقع أيضا على طبيعة الأزمة نفسها والنتائج المترتبة عنها، منها على الخصوص حتمية الحروب الخارجية. 
ففي ظل رأسمالية المنافسة الحرة كانت الصناعات المدفوعة بهاجس الربح تعمل على إنتاج سلع تتجاوز ما يمكن للناس شرائه (عدم التوازن بين العرض والطلب) فيتطور الإنتاج في هذه الحالة بمستوى اكبر بكثير من السوق، ولحل هذا التناقض الذي يتسبب في أزمة تصريف المنتجات تلجأ الرأسمالية إلى وسيلتين: إذ تلجأ أولاً إلى تحطيم قوى الإنتاج بشكل يؤدي إلى إرجاع الإنتاج إلى المستوى الذي يتيح للسوق امتصاصه، وتلجا ثانيا إلى توسيع السوق إما عبر تكثيف العلاقات التجارية مع الدول الرأسمالية الأخرى، أو عبر إدخال دول جديدة أو جهات جديدة في منظومة علاقاتها الاقتصادية، ويمّكن ذلك من رفع مستوى السوق إلى مستوى الإنتاج. 
لكن انطلاقا من عام 1873، انفجرت الأزمة في أغلب الدول الأوربية، وبدلا من معالجتها تقليدياً من خلال آليات عمل فعالة فأن هذه الأزمة  دامت وتعمقت ولم تنتج عنها مرحلة رواج جديدة بسرعة، إنها بداية ما يسميه المعاصرون في نهاية القرن التاسع عشر بـ(الأزمة الكبرى)، هذا التراجع الذي بيّن بأن الرأسمالية أحدثت تناقضات جديدة لا يمكن الخروج منها، أو على الأقل لا يمكن الخروج منها سريعا، فقد كتب  انجلز من لندن رسالة إلى بابل، أحد مؤسسي الحزب الاجتماعي الديمقراطي الألماني عام 1885، بان أزمة مزمنة لازالت تخيم على إنجلترا في جميع فروع الإنتاج الأساسية، كما هو الشأن في فرنسا وأميركا، خصوصا في مجال الحديد والقطن، وقد اعتبرها أمراً غير مسبوقاً، رغم كونها منبثقة عن آليات النظام الرأسمالي، فالإفراط في الإنتاج بلغ حجماً لا يمكن حتى معالجته عبر الأزمة.

 وفي إطار محاولة الرأسماليين إيجاد مخرج كالعادة عبر تحطيم قوى الإنتاج وعبر توسيع السوق تسارعت عملية تمركز رأسماليCapital Concentrators  بشكل غير مسبوق، بينما تم تحطيم الضعفاء من الرأسماليين، فقد دخلت البنوك بكثافة في رأسمال المقاولات لدعمها في مواجهه الأزمة، لكنها بهذه الطريقة ضاعفت أكثر من الاحتكارات، وبموازاة مع ذلك، ضاعفت المقاولات تجارتها مع الخارج، كما استثمرت كذلك خارج حدودها الإقليمية، ومن أجل ضمان نمو هذه الأنشطة انطلقت الدول في عمليات استعمارية غير مسبوقة، حيث أصبحت المستعمرات تضمن للرأسمال الوطني التطور في مأمن من منافسة الدول الرأسمالية الأخرى، وقد مكنت هذه اللعبة بسرعة من اقتسام العالم يبن بضعة قوى رأسمالية كبرى.     على أساس ذلك انفجرت الحرب العالمية الأولى World War I حيث كشفت الرأسمالية منذ ذلك الحين على وجهها الحقيقي، فمن اجل أن يحمي الرأسماليون آفاق الربح والتراكم يدفعون مواطنيهم نحو مذابح حقيقية عمت مختلف أرجاء العالم، وفقدت ألمانيا نتيجة هزيمتها مجمل مستعمراتها، كما فرض عليها أداء تعويضات حرب هائلة، أما الإمبراطورية النمساوية الهنغارية فتم تفكيكها، أما بالنسبة للإمبراطورية العثمانية المعنية هي الأخرى إلى جانب ألمانيا والنمسا فتم اقتسام ارثها فيما بين بريطانيا وفرنسا.     أما بعد الحرب العالمية الثانية World War II فقد طرأت على الاقتصاد الرأسمالي عديد من التحولات الكيفية خاصة فيما يتعلق بالتغير الذي طرأ على نمط تقسيم العمل الدولي، والذي آخذ شكلا مركبا، - بمعنى أن نمط تقسيم العمل International Division of Labor الذي ساد خلال الفترة منذ منتصف القرن الـتاسع عشر والذي كان يتمثل في تخصص البلدان المتخلفة، في إنتاج سلعة أو اثنتين من المواد الأولية، سواء أكانت زراعية أم صناعية، وتتخصص البلدان الرأسمالية المتقدمة في السلع الصناعية بالإضافة لاحتكارها للبحث العلمي والتكنولوجي - ظل هذا النمط مستمرا في التقسيم الجديد، والجديد الذي طرأ على نمط تقسيم العمل هو أن بعض الدول بدأت تتخصص في إنتاج أجزاء من منتج ما، ويتم تجميع هذا المنتج في بلدان آخري، وهذا معناه.. "تدويل عملية الإنتاج.. وإدماج الاقتصاديات المتخلفة بشكل أكثر دقة في عملية الإنتاج (المدولة) وتعد هذه هي أهم سمة طرأت على الاقتصاد الرأسمالي بعد الحرب العالمية الثانية.ظهور الأزمة الهيكلية في ظل الرأسمالية : أدت الحرب إلى تدمير مكثف لقوى الإنتاج وعلى عكس ما تفيدنا به نظرية  ماركس حول الدورات الاقتصادية، فأن ذلك لم يؤدِ إلى مرحلة نمو اقتصادي جديدة، فالمجتمع الرأسمالي أصبح في مرحلة أزمة دورية (فترات صعود وهبوط في النشاط الاقتصادي) ولم يحقق الإنتاج العالمي عام 1923، وهي أفضل سنة بعد الحرب، ما تم تحقيقه من مستوى عام 1913، كما أن البطالة كانت قبل الحرب ظاهرة عابره، أما بعدها فقد أصبحت دائمة.وفي عام 1929 انفجرت أزمة البورصات العالمية، مما أدى إلى انهيار شامل لم يعرف العالم مثله من قبل ولم ينج منها سوى الاتحاد السوفيتي(السابق) الذي فك ارتباطه بالمنظومة الرأسمالية منذ عام 1917, وقد رمت أزمة عقد الثلاثينات Big Depression بالملايين من العمال على قارعة الطريق بدون موارد تقريبا، وبلغ عدد العاطلين عن العمل في الولايات المتحدة الأميركية عام 1933 حوالي 13 مليون عاطل، فيما بلغ عددهم في ألمانيا حوالي 6 مليون، وفي فرنسا 2 مليون.

الأزمة الهيكلية تقود إلى الحرب:
 خرجت الولايات المتحدة الأميركية من الحرب العالمية الثانية كأقوى المنتصرين، حيث تضاعف اقتصادها بأكثر من 300 % ( في القطاع العسكري أساسا)، وحرصت على انهاض دول أوروبا الغربية واليابان، بشرط إن تسيطر على إمداداتها النفطية، الشريان الأساسي للصناعة، أي أنها فرضت قيادتها على النظام الرأسمالي المشكّل حديثا في أعقاب الحرب، عن طريق إخضاع النفط وأسلوب بيعه في العالم الرأسمالي لنفوذها، وأوجدت لذلك نظام أسعار ووحدات سعريه، تطوّرت مع تطور السوق وصولا إلى البترودولار، إضافة إلى الشروط السياسية التي ضمنت قيادتها، محققة لها بذلك إرباحا فلكية إضافية.    ورغم حاجات العالم المنهك، الخارج حديثا من الحرب آنذاك، إلى سلع الاستهلاك وحياة السلم والرفاه الاجتماعي المدني، إلا إن مغريات الربح الفائق غير العادي في مجالات الإنتاج العسكري، دفعت أصحاب رؤوس الأموال الضخمة في الولايات المتحدة وشركائهم، إليه وفقا لمنطق الإنتاج الرأسمالي ذاته.    الأمر الذي كان الأساس الاقتصادي للحرب الباردة Cold War وسباق التسلح  Arms race، التي شكّلت فيما بعد سبباً رئيساً في أنهاك الاقتصاد السوفياتي ثم انهياره من جهة، وافقد بالتالي من جهة أخرى المؤسسة الصناعية العسكرية الأميركية أساس إرباحها الخيالية، بعد إن صعد نجمها ليس في الاقتصاد وحسب وإنما في السياسة والمجتمع والثقافة.وفي الوقت الذي طغت فيه عسكرة المجتمع والاقتصاد في الدولة السوفياتية السابقة وكانت العامل الهام في أفولها إضافة إلى ضغط الحرب الباردة، فان صعود نجم المجمع الصناعي العسكري الأميركي أدى إلى نتائج اجتماعية داخلية مماثلة وان كانت بآليات مختلفة، الأمر الذي كان قد حذّر من مخاطر تفرّده ووحدانية جانبه الرئيس الأميركي الأسبق دوايت ايزنهاور في وقت مبكر، وجرى السعي لإيجاد آليات للتخفيف من آثاره.
 وفي الوقت الذي وجد فيه كبار رجال المال والصناعة أنفسهم، أمام (معضلة) تحويل المجمّع العسكري الصناعي الأميركي الأسطوري إلى الإنتاج السلمي، جاءت تفجيرات نيويورك في 11 أيلول 2001 لتحل تلك (المعضلة) وتؤدي إلى إعلان (الحرب على الارهاب)، حيث قفزت الميزانية العسكرية الأميركية إلى 379 مليار دولار لعام 2006  لتكون أعلى زيادة منذ حكم الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان بسبب برنامج حرب النجوم Strategic Defense Initiative (SDI)  وبعد محاولات متنوعة لهيئات اختلاق الكوارث والتوترات في بقاع العالم، بعد إن وضع الحجر الأساس لمواصلة نهج العسكرة والتسلح اثر انهيار الاتحاد السوفياتي السابق أيضا. وفي أواخر العقد الأخير من القرن الماضي، أصبح تغير المعادلة الاقتصادية العالمية أكثر وضوحاً، فلم يعد يمثل الاقتصاد الأميركي إلا بحدود 23 % من الإنتاج الصناعي العالمي بعد إن كان يشكّل أكثر من 50% مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وذلك بعد إن استثمرت دول رأسمالية كبرى كألمانيا واليابان انخفاض نفقاتها العسكرية (بسبب الإجراءات التي فرضت عليها بنهاية الحرب، ولكون إن الولايات المتحدة الأميركية أصبحت بفضل تفوقها العسكري المظلة الأمنية لأوروبا واليابان) واحتلالهما المكان الثاني والثالث من الإنتاج الصناعي العالمي، إضافة إلى الصين التي (تهدد) وتائر تطورها الصناعي السريع مكانة وربحية المجمع الصناعي العسكري الأميركي في ذلك المجال.وما يزيد المجمع الصناعي العسكري الأميركي حراجة، إن اقتصاد دول الاتحاد الأوربي الخمس عشرة الصناعية مجتمعاً أصبح يتجاوز حجم الاقتصاد الأميركي، إضافة إلى صمود عملته "اليورو" كعملة قادرة على منافسة الدولار المهيمن، والذي يمكن إن يزداد قوة بتوجه عدد من كبريات الدول المنتجة للنفط لتسعير نفطها به عوضا عن الدولار.وترى الاحتكارات الأميركية الكبرى إنه لا وسيلة لها لإعادة تثبيت وإحكام هيمنتها على الدول الصناعية الكبرى وبالتالي على العالم، إلا بإحكام قبضتها على مصادر النفط، المصدر الأساسي للطاقة والصناعة لحد الآن، مستثمرة التفوق العسكري، الأمر الذي أدى إلى تحالف احتكارات النفط والسلاح في الولايات المتحدة لتحقيق الهدف المذكور.ولذلك فهذه الشركات تعتبر هي قلب جماعات الضغط في دولها من أجل تأسيس ترتيبات تجارية تخدم مصالحها في جني الأرباح بغض النظر عن كيفية جني هذه الأرباح، وهنا فأن شركات السلاح الكبرى (التي تعتبر من أكبر الشركات متعددة الجنسيات ضخامة) تؤدي دوراً كبيراً في دفع الدول نحو الحروب.  
  إن حالة الحرب الراهنة ليست جديدة، فدائما كانت هناك حالة حرب أو تهديد بالحرب، فالتاريخ حافل بالشواهد، وتاريخ القرن العشرين بالذات يحتضن بين صفحاته حربين عالميتين ساخنتين، وثالثة باردة، فضلاً عن عشرات الحروب الإقليمية والأهلية التي لا تزال نارها مشتعلة أحيانا أخرى.‏  ما يميز حالة الحرب الراهنة، أنها تأتي من خلال (عملية) مخططة يجند لخدمتها مجمع هائل يضم التجمع الصناعي - المالي - العسكري - الإعلامي المهيمن على القرار السياسي في الولايات المتحدة، في محاولة للسيطرة على القرار الكوني المعزز بامتلاك عناصر القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية والإعلامية، حيث يمكن بذلك الإعلان رضوخ العالم لمشيئة ومقتضيات (نظام عالمي شمولي) يقاد من قبل الولايات المتحدة وفقاً لأهداف ومصالح الإدارة الأمريكية اليمينية المحافظة، التي تتبنى طروحات الليبرالية الاقتصادية الجديدة.‏     لقد دخلت(العولمة) طورها العسكري في حرب الخليج الثانية، ثم حرب يوغسلافيا، وكانت أحداث ايلول2001 إعلاناً عن الدخول إلى مرحلة جديدة تحت عنوان (مكافحة الارهاب) التي جاءت بحرب أفغانستان والعراق في إطارها.‏  إن الاقتصاد الأمريكي اليوم، تتحكم به مصالح قوى الصناعة العسكرية العملاقة والقوى المالية وشركات النفط الكبرى، ويؤدي في هذا الإطار سماسرة البورصة والأوراق المالية الدور الأهم لتسهيل مهام الشركات الصناعية- العسكرية- النفطية - الإعلامية وينعكس ذلك على حياة السكان، حيث تتمظهر الأزمة الاقتصادية في تراجع معدلات الاستثمار والاستهلاك، مما يؤدي إلى فقدان الثقة بالاقتصاد، ويطيل فترة الكساد.‏  بوادر الأزمة المالية العالمية – أزمة الرهن العقاري: في المصارف العقارية الأميركية، والتي هي بالطبع عبارة عن شركات مساهمة، هناك نوعان من القروض، الأول هي القروض بضمانات ويتسم هذا النوع بانخفاض سعر الفائدة الذي يصل إلى 6% نتيجة مضمونيه استرجاعه، أما النوع الآخر فهو القروض بدون ضمانات ويتسم بارتفاع سعر الفائدة إذ يصل إلى 14% وذلك نتيجة عدم تقديم الزبون لضمانات معينة لاسترجاعه، وقد ازداد النوع الثاني من القروض بصورة كبيرة، ومع هبوط مستوى النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة ابتداء من عام 2006 وصعوداً، وارتفاع نسب البطالة والتضخم فقد عجز اغلب المقترضين عن الوفاء بما في ذمتهم من الديون، الأمر الذي أدى إلى إعلان أربعة من أكبر مصارف التسليف العقاري في الولايات المتحدة إفلاسها.    فاندلعت بذلك أزمة الرهن العقار  Mortgage Crisis في الولايات المتحدة الأمريكية في منتصف عام 2007 حيث كان هناك ندرة في السيولة في أسواق الائتمان والأجهزة المصرفية العالمية، إلى جانب بداية انكماش في قطاع العقارات، والممارسات المرتفعة المخاطرة في الإقراض والاقتراض، وقد ظهرت الأزمة بصورتها الحالية عندما انفجرت فقاعة سوق العقارات، والتي نتجت عن تسويق العقارات لمحدودي الدخل في الولايات المتحدة بطريقة ملتوية وشروط تبدو سهلة للوهلة الأولى، ولكن بعقود كانت صياغتها بمثابة فخ لمحدودي الدخل فقد كانت في مجملها التفاف علي القوانين الحكومية والحد الائتماني، حيث تضمنت العقود نصوصاً تجعل القسط يرتفع مع طول المدة، وعند عدم السداد لمرة واحده تؤخذ فوائد القسط 3 أضعاف عن الشهر الذي لم يتم سداده، فضلاً عن وجود بنود في العقود ترفع الفائدة عند تغيرها من البنك الفيدرالي الأمريكي، فيما يسمى بـالرهن العقاري ذو الفائدة القابلة للتغيير Adjustable Rate Mortgages ARM.    وقد شهدت السنوات السابقة لذلك تساهلاً ملحوظاً في شروط الائتمان واتجاهاً طويل المدى لارتفاع أسعار العقارات، حيث ارتفعت أسعار العقارات (بالتحديد السكنية منها) بما يقرب 124% خلال الفترة 1997- 2006، مما حفز الكثيرين على الاقتراض لتمويل شراء مساكنهم الخاصة، إذ ارتفع معدل التمليك السكنى في الولايات المتحدة الأمريكية من 64% في 1996 إلى 69.2% في 2004، وفى ظل الارتفاع العام لأسعار تلك العقارات أخذ كثير منهم في الاقتراض بضمان قيمتها، التي لم تسدد في الأساس، وكان الاعتماد في هذه القروض بشكل أساسي على قيمة العقار التي تتزايد باستمرار في السوق كضمان.وبعد فترة، وتحديداً خلال عامي 2006 و2007 بدأت أسعار الفائدة في الارتفاع أكثر من المتوقع مما أدى إلى تزايد التزامات محدودي الدخل حيث ارتفعت أعباء قروض العقارات التي التزموا بها، بالإضافة إلى القروض التي تشكل قيمة العقارات ضماناً لها، فامتنع الكثيرون عن السداد بعد أن أرهقتهم الأقساط المتزايدة، وبدأت أسعار العقارات تنخفض بصورة كبيرة.ولاحتواء ذلك الوضع قامت البنوك وشركات العقار ببيع ديون المواطنين في شكل سندات لمستثمرين عالميين بضمان العقارات، الذين لجأوا بدورهم، بعد أن تفاقمت المشكلة، لشركات التأمين التي أوجدت من الأزمة فرصه للربح  بضمان العقارات فيما لو امتنع محدودي الدخل عن السداد، فقامت بتصنيف سندات الديون لفئتين (أ) قابله للسداد، و(ب) لا يمكن سدادها وبدأت شركات التأمين بأخذ أقساط التامين علي السندات من هؤلاء المستثمرين.    وفى ظل تلك الظروف قام البنك الفيدرالي الأمريكي بخفض أسعار الفائدة حيث قام في كانون ثاني 2008 بخفض معدل فائدته الرئيسة ثلاثة أرباع النقطة إلي 3.50% وهو إجراء ذو حجم استثنائي، ثم تخفيضه تدريجياً إلي 2% بين كانون الثاني ونيسان من ذات العام.  ولدى تفاقم الأزمة وتوقف محدودي الدخل عن السداد، اضطرت الشركات والبنوك لمحاولة بيع العقارات محل النزاع والتي رفض ساكنوها الخروج منها، فعجزت قيمة العقار عن تغطية التزامات أياً من البنوك أو شركات العقار أو التأمين، مما أثر على السندات فطالب المستثمرون بحقوقهم عند شركات التأمين، فأعلنت أكبر شركة تأمين في العالم (أيه آي جي AIG) عدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه 64 مليون عميل تقريبًا مما دفع بالحكومة الأمريكية إلى منحها مساعدة بقيمة 85 مليار دولار مقابل امتلاك 79.9% من رأسمالها، ولحق بها كثير من المؤسسات المالية الأمريكية مثل مورجان ستانلي و جولدمان ساكس، وفى أيلول 2008 أعلن بنك " الأخوة ليمان" Lehman Brothers" إفلاسه.  وقد قٌدرت خسائر المؤسسات المالية حول العالم في تموز 2008 بما يقرب من 435 مليار دولار أمريكي، وشهدت البورصات في آب 2007 تدهوراً شديداً أمام مخاطر اتساع الأزمة وتدخلت المصارف المركزية لدعم سوق السيولة.الانتقال إلى أسواق المال: ما لبث أن ظهرت آثار الأزمة بأن شهد الاقتصاد الأمريكي انكماشاً ملحوظاً على مدار عام 2008، ظهرت جلية في معدلات البطالة، حيث  وصلت معدلات البطالة في أيلول 2008 إلى 6.1% وهو المعدل الأعلى خلال خمس سنوات، حيث قام أصحاب العمل بالاستغناء عن ما يقرب من 605,000 وظيفة منذ بداية الشهر الأول من نفس العام، وقد انعكست هذه الصورة السلبية على سوق الأوراق المالية في صورة انخفاضات حادة في أسعار الأسهم والسندات.   ولكن كيف حصل هذا الانتقال من شركات العقارات (المصارف العقارية) إلى القطاعات الاقتصادية الأخرى؟ ولكي يتم الإحاطة بهذا الموضوع بصورة جلية نورد المثال الأتي: فلو كنت مالكاً لمجموعة من الأسهم في أحدى الشركات الأميركية من غير شركات العقارات التي أفلست، وذهبت إلى البورصة صباحاً ووجدت أن هناك مجموعة من الشركات الكبرى قد أصبح سعر سهمها يساوي صفراً (وهي الشركات التي أعلنت إفلاسها) ماذا كان عساك أن تفعل في هذه الحالة؟ من المؤكد أنك ستتوقع انخفاضات أخرى بأسعار الأسهم، وستقوم بعرض الأسهم التي تمتلكها للبيع خشيةً من انخفاض قيمتها، ولكن هذا الأمر لا ينطبق عليك فقط بل على مئات الملايين من الأشخاص حاملي الأسهم، وبذلك أصبح عرض الأسهم يفوق الطلب عليها بشكل كبير، الأمر الذي أدى إلى انخفاض أسعار الأسهم في كل سوق الأوراق المالية الأميركية، وحدثت الكارثة في يوم الاثنين (15/9/2008) الذي كان يوماً أسوداً في تاريخ الاقتصاد الأميركي، ليصبح فيما بعد يوماً أسوداً في تاريخ الاقتصاد العالمي أيضاً عندما انتقلت الأزمة المالية الأميركية إلى الاقتصاد العالمي برمته. محصلة القول، انه وبعد هذه اللوحة الكئيبة لأحوال المال والاقتصاد الأمريكي يمكن إطلاق تسمية (الاثنين الأسود) كمصطلح جديد يضاف إلى قاموس اقتصاد الأزمات والكوارث ليحل محل ذلك اليوم الأسود الذي يؤرخ الانهيار المدوي للبورصة الأميركية في يوم (الخميس الأسود) 24 تشرين ثاني 1929 والذي دشن الأزمة الاقتصادية الرأسمالية العالمية الكبرى التي امتدت منذ ذلك التاريخ وحتى 1933.  نحن إذن أمام أزمة عميقة، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، يواجهها النظام الرأسمالي تتمظهر هذه المرة بالانهيار الذي حصل في النظام المالي الذي هو في الواقع تعبير عن أزمة بنيوية عميقة دفعت الكثير من المحللين والاقتصاديين إلى التشبيه بين هذه الأزمة وبين الكساد الكبير أي الأزمة الاقتصادية الرأسمالية العالمية الكبرى (1929 – 1933). إذن يمكن القول إنّ الأزمة المالية العالمية الراهنة تمثل أكبر تهديد راهن ومحتمل لاستقرار الاقتصاد العالمي وللنظام الرأسمالي العالمي على وجه الخصوص، فقد طالت هذه الأزمة الجزء الأعظم من شعوب وبلدان العالم بدرجات متفاوتة، علما أنها تمثل القسم الظاهر من جبل الجليد العائم الذي يخفي أزمات حادة متفجرة، أو على طريق الانفجار، وقد يترتب عليها تغيير جوهري في العلاقات الناظمة للاقتصاد العالمي بين مراكزه وإطرافه وتؤثر على تناسبات القوى الناظمة له في الوقت الحاضر.  ينظر العديد من المحللين إلى مستقبل الولايات المتحدة الأميركية على الساحة الدولية نظرة تشاؤمية في مجال معرفة ما إذا كان مستقبل الولايات المتحدة كقوة عظمى مهيمنة، يكون مآله مآل الإمبراطوريات القديمة التي عرفت قمة الهرم في العظمة والنفوذ الدولي، ثم تراجعت تحت طائل المتاعب المتراكمة من جراء اتساع دائرة الاندفاع الخارجي المكلف، وكذا سرعة وتيرة المتغيرات الدولية المؤثرة في تصاعد الدول وتقهقرها على سلم القوة والنفوذ، إلى أن عرفت الاندثار والاضمحلال ولم يبق من زعامتها إلا التاريخ الحافظ للأحداث. إن هذه النظرة التشاؤمية لمستقبل الولايات المتحدة الأميركية كدولة تسعى للبروز كقوة مسيطرة مستقطبة ومهيمنة، في تحريك دواليب النظام الدولي الجديد في شتى ميادينه، مستمد بصفة منطقية من استعصاء المصاعب الاقتصادية الأميركية منذ النصف الثاني من عقد الثمانينيات، بشكل يفقد قوة الجذب لنمط الإنتاج والاستهلاك الأميركي، ذلك النمط الرأسمالي الذي اتخذته الدول الأوروبية المتقدمة والدول حديثة التصنيع في جنوب شرق آسيا أنموذجاً للتصنيع والارتقاء منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وشكلت لتوسيعه أرضية خصبة، ويضعف إلى جانب ذلك، قدرة أميركا وقابليتها على التحرك الكوني السريع والفعّال. وبالرغم من تصاعد طروحات حتمية استمرار القيادة الأميركية للعالم بعد تشرذم المنظومة الاشتراكية وتراجع الاندفاع السوفيتي في العالم، وبالتالي اختفاء (التحدي الشيوعي)، فان الطبيعة الاقتصادية للتحديات الجديدة التي تواجه الولايات المتحدة تضعف مصداقية هذه الطروحات ولاسيما إن الهوة بين تلك المهمة والوسائل اللازمة لتحقيقها تزداد عمقاً واتساعاً. فبالرغم من توافر الوسائل الضرورية لتحقيق أهداف الستراتيجية الاقتصادية الأميركية الكونية من تضافر الظروف الداخلية والخارجية المؤاتية لاستمرار نمو الاقتصاد الأميركي بنفس الوتيرة المتسارعة والمتوازنة في خمسينيات القرن المنصرم وستينياته، إلا ان الاقتصاد الأميركي سرعان ماطفت على آلياته أعراض الاختلال والتراجع، التي اتخذ عقد الثمانينيات مرحلة النضج التاريخية قبل أن تستفحل مشكلاته التي حملت بين طياتها العديد من الإفرازات السلبية الخطيرة. وقد بدأت سياسات التوسع والانفتاح الاقتصادي تنوء بأعبائها الثقيلة على الاقتصاد الأميركي، وكانت النتيجة التي جلبتها محاولة الولايات المتحدة خلق حلف دولي سياسي واقتصادي على أساس مساعدة ألمانيا واليابان ودفع النمو في الاقتصاد الأوروبي وفي الاقتصادات الأخرى لشرق وجنوب شرق آسيا لمواجهة التهديدات السوفياتية والصينية، إن تلك الاقتصادات حققت بالفعل مستويات عالية من النمو ما لبثت أن تحولت إلى مشكله وتحدٍ بوجه الاقتصاد الأميركي، وتمثل التحدي الجديد في توسع دول شرق وجنوب شرق آسيا في تصدير سلع رخيصة الثمن ورفيعة الجودة أخذت تغرق السوق الأميركية، وتهدد بخلق عجز جدي في الميزان التجاري الأميركي . وكان لهذا التوسع الخارجي أعباؤه وتناقضاته، إذ جلب معه آثاراً سلبية على الاقتصاد الأميركي، وكانت تلك الآثار ناجمة عن مشكلات اقتصادية تعود إلى مدة سابقه على التسعينيات، عند قيام الولايات المتحدة باستخدام سوقها الداخلية الواسعة لخدمة ستراتيجيتها الاقتصادية الدولية، إذ قامت بفتح سوقها الداخلي أمام أوروبا واليابان لمساعدتها على النهوض باقتصاداتها لغرض خلق أنظمة رأسمالية حليفة وقويه في أنحاء عدة من العالم، وجعل تلك الاقتصادات منصّات متقدمة للاقتصاد الأميركي وتابعة له. ونلاحظ هنا إن هناك ارتباطاً زمنياً وثيقاً بين اشتداد المشاكل الاقتصادية الأميركية وتوجهها نحو الحروب الخارجية، فمن خلال الجدول أدناه الذي يؤرخ دورات الأعمال التي عصفت بالاقتصاد الأميركي للفترة من (1955-2004) نجد إن بعد كل أزمة اقتصادية –تقريباً- تقوم الولايات المتحدة بعمل عسكري خارجي . وقد استخدمت الولايات المتحدة الأميركية الحرب الباردة (التي استمرت للمدة 1950-1991) كذريعة لتنشيط شركات السلاح الكبرى من خلال تهويل خطر (الدب الأحمر)، وفي الربع الأول من عام 1980 وحتى الربع الثالث من عام 1981 دخل الاقتصاد الأميركي في دورتي أعمال مع ارتفاع نسب البطالة إلى 7.1% في عام 1980 والى 7.6% في عام 1981 والى 9.7% عام 1982، أما نسب التضخم فلم تتجاوز, 2,6% في المتوسط خلال عقد الخمسينات تسارعت في بداية السبعينات فوصلت إلى 7,5% وأكثر من 11% في عام 1982، وقد سارع الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان بعد ذلك بالإعلان عن برنامجه الشهير (حرب النجوم) الذي شغّل الآلة العسكرية الأميركية من جديد.  وفي تموز 1990 دخل الاقتصاد الأميركي في دورة أعمال جديدة لم يتم التخلص منها إلا بعد استعار حرب الخليج الثانية، التي تشير التقديرات إلى إن الولايات المتحدة الأميركية ربحت فيها أكثر من 60 مليار دولار، إضافة إلى إعادة تشغيل شركات السلاح الكبرى ماكنتها لسد حاجة الجيش الأميركي من السلاح. أما بعد الإعلان عن دخول الاقتصاد الأميركي في آذار من عام 2001 بدورة أعمال جديدة، فقد اختلقت موضوع الحرب على الارهاب ومن ثم حرب أفغانستان والعراق، وهي الحروب التي لازالت مستعرة، والمستفيد الأكبر منها هي شركات السلاح الأميركية وشركات النفط العملاقة.  غير أن التكلفة الحقيقية للأزمة الحالية سوف تقدر بملايين الوظائف المفقودة وتريليونات المدخرات الضائعة، وآلاف المشاريع الفاشلة، وهي تكاليف يقع عبء سدادها على كواهل الأجيال اللاحقة، فلا يمكن الخروج من الركود الحالي دون إصلاح الأخطاء الأساسية في النظام التي ساعدت أصلا على خلق ذلك الركود.  ولاشك فإن هذا المأزق الحقيقي الذي وصل إليه النظام المالي والاقتصادي الأمريكي جاء نتيجة سياسات خاطئة من الإدارة الأمريكية في إدارة الأزمات في الخارج  وإدارة الاقتصاد الأمريكي في الداخل.. ورغم الـ 700 مليار دولار التي أقرها الكونغرس الأمريكي لإنقاذ عجلة الاقتصاد الأمريكي من الانهيار فإن الحقيقة الأخرى تقول إن تداعيات وتأثيرات هذه الأزمة على الأسواق المالية في العالم لن تمر مرور الكرام، فكل دول العالم أعلنت حالة الطوارئ في نظمها المالية بعد أن تهاوت هذه القوة الاقتصادية والمالية الأمريكية الهائلة.. وبات من الصعب على الإدارة الأميركية تجاوز هذه النقطة التي تقلق العالم كله أكثر من أي شيء آخر. على الرغم من أن رجال المصارف والعاملين في المجالات المالية يتعهدون دائماً ببعث الثقة والتفاؤل في نفوس زبائنهم فإنه من الصعب الآن على أي أحد من هؤلاء أن يتحدث عن التفاؤل.إنهم يتابعون الآن بقلق شديد إشارات الخطر المرعبة القادمة من الولايات المتحدة الأمريكية وتداعياتها الكارثية على النظام الاقتصادي والنظام المالي العالميين، فالانحدار مستمر دون توقف في عالم المال.. انحدار للأسهم يكاد يكون يومياً في عالم البورصة، فوائد متزايدة في كل مكان تقريباً ارتفاع أسعار النفط.. والسلع الغذائية. ويعترف هؤلاء العارفون بحركة السوق العالمية.. بأنه حتى إذا تم التغلب على الأزمة المالية العالمية الراهنة التي انطلقت  شرارتها من الولايات المتحدة الأمريكية فإن العالم أبدا لن يكون العالم الذي كان قبل الأزمة المالية. وفي الولايات المتحدة الأمريكية مصدر الأزمات العالمية الكبرى سياسياً، واقتصادياً، ومالياً، وعسكرياً العاصفة تعصف بكل المصارف وتهدد الولايات المتحدة الأمريكية في المقتل، والمصارف تعلن إفلاسها والأمر قاد إلى الكارثة في تأثيراته على عالم البورصة.. والأكثر من ذلك التراجع المستمر في وتائر النمو الاقتصادي في أهم الدول الصناعية، ولكن ما يثير حيرة الخبراء الاقتصاديين ويقلقهم أكثر من هبوط الأسهم في البورصات هو ما يحدث في أسواق المال العالمية والمتمثل في النقص المستمر في توافر رأس المال.هذا السيناريو المرعب.. ظهر في الحقيقة .. حتى قبل أن يأمر الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن جنوده بالزحف نحو العراق في ربيع العام 2003 ، ولكن مما لاشك فيه أن الحرب الأمريكية على الإرهاب بعد هجمات 11 أيلول على الولايات المتحدة، عجلت بصورة دراماتيكية في أضعاف الاقتصاد العالمي الذي يعتبر النفط فيه أهم مادة تحتاجها الماكنة الصناعية، وكان ارتفاع أسعار النفط في الحقيقة العامل الإضافي الذي أثر على الوضع الحساس أساساً بالأسواق المالية العالمية. لقد عاشت الولايات المتحدة الأمريكية في أعوام جورج بوش الابن فوق طاقتها الفعلية، وفوق الإمكانات الواقعية للاقتصاد الأمريكي، فالمصارف التي أضاعت نفسها في مفهوم مغلوط لليبرالية الاقتصادية، ومن دون أي إشراف أو حساب، والآن حيث لم يعد الاقتصاد ينمو كما كان في الماضي، لم يعد الكثيرون قادرين على سداد القروض المستحقة عليهم.‏ أن العالم اليوم يمر بمفترق طريق رئيسي نحو بناء منظومة القوى العالمية خلال القرن الحادي ‏والعشرون، - بمعنى آخر – انه يعيش فترة من التقلبات السياسية والاقتصادية العالمية الناتجة عن الحتمية ‏التاريخية للصراع الجيوستراتيجي على العالم، وما الأزمة الاقتصادية الأميركية الراهنة سوى نتاج انعكاسات ‏وتوجهات مختلفة منها ما هو داخلي وآخر خارجي، ستحول دون استمرار الهيمنة والسيادة الأميركية على ‏العالم، وكما يقول الفيلسوف البريطاني جون غراي بان (ما يجري في الأسواق يخطف الأبصار ويشد انتباهنا ‏جميعا، غير أن هذا الغليان أكثر من مجرد أزمة مالية كبيرة ، ما نراه اليوم هو تحول تاريخي لا رجعة عنه ‏في موازين القوى العالمية، فأن عصر القيادة الأميركية للعالم قد ولى إلى غير رجعة، لقد سقط جراء هذه ‏العاصفة نموذج كامل للحكم وإدارة الاقتصاد في تغير يشبه في آثاره إلى حد بعيد آثار انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، ‏فما يجري في واشنطن يعني نهاية شكل واحد من أشكال الرأسمالية هو الشكل الغريب والمتقلب الذي وجد في ‏أميركا خلال السنوات العشرين الماضية، هذه التجربة المالية والمصرفية القائمة على سياسة عدم التدخل هي ‏بالذات ما سقط وتلاشى).    ولكن هل هذا هو نهاية المطاف؟ بالطبع لا فالأزمة تلد أخرى والهزة الكبرى تكون مخلفاتها هزات ارتدادية Aftershocks كما حدث في دبي واليونان واسبانيا واغلب الاقتصادات الأوروبية، لذلك فان كل التجارب التاريخية والمؤشرات الرقمية الناطقة تؤكد اليوم إن الأزمة المالية العالمية لازالت في بدايتها وأن قمة الأزمة لم تأت بعد وهي في طريقها إلى التكون وحينها، كما تشير أغلب الدراسات الاقتصادية المحايدة، إلى أنها ستكون الأزمة القاضية للنظام الرأسمالي ولمحوره الرئيس الولايات المتحدة الأميركية وأن غداً
لناظره قريب.
 

  • وصف الــ Tags لهذا الموضوع
  • الازمة المالية، الاقتصاد الاميركي

هذه الفقرة تنقلك الى صفحات ذات علاقة بالمقالات الاكاديمية ومنها الاوراق البحثية المقدمة من قبل اساتذة جامعة بابل وكذلك مجموعة المجلات العلمية والانسانية في الجامعة وعدد من المدنات المرفوعة من قبل مشرف موقع الكلية وهي كالاتي:

قسم المعلومات

يمكنكم التواصل مع قسم معلومات الكلية في حالة تقديم اي شكاوى من خلال الكتابة الينا,يتوجب عليك اختيار نوع الرسالة التي تود ان ترسلها لادارة الموقع :