انت هنا الان: الرئيسية » القسم الاكاديمي
المقالات الاكاديمية والبحثية

أسس توزيع الثروات في الانظمة الفيدرالية

    لتحميل الملف من هنا
Views  7348
Rating  0
 جواد كاظم عبد نصيف البكري 5/25/2011 4:05:00 PM
تصفح هذه الورقة الالكترونية بتقنية Media To Flash Paper

 
 
        أسس توزيع الثروات في الانظمة الفيدرالية           

   مـقدمــة
 طفا مصطلح الفيدرالية في العراق بعد سقوط النظام السابق بصورة كبيرة وبخاصةً بعد المناقشات المطولة حول صياغة الدستور العراقي الجديد وما تلاه من تصويت شعبي على ذلك الدستور، وقد كان موضوع الفيدرالية من ابرز قضايا الخلاف على مسودة الدستور إلى أن خرج بشكله النهائي، ولكن موضوع الفيدرالية لم يُحسم بعد، وقد وجد العديد من الباحثين أن هناك قصور كبير في فهم الفيدرالية بين أوساط الشعب العراقي، وقد تراوحت التفسيرات في هذا المجال، إذ اعتبره البعض تقسيم للعراق، بينما اعتبره البعض الآخر إنقاذ للوضع القائم، ولكن الواقع يشير إلى أن هنالك 25 دولة فيدرالية يعيش فيها 40% من سكان الأرض، وان أقدم الدول الفيدرالية هي: الولايات المتحدة (1789) سويسرا (1848) كندا (1867) أستراليا (1901). وبحسب تقرير للأمم المتحدة حول التطور البشري الذي يرتب 180 دولة نجد أن هنالك أربعة دول فيدرالية بين أفضل ستة دول من حيث نوعية الحياة وهي: أستراليا، كندا، بلجيكا، والولايات المتحدة؛ بعدها بقليل تأتي سويسرا وألمانيا .

 في هذه الورقة سنناقش موضوع الفيدرالية من جانبه الاقتصادي، وسنركز بصورة خاصة على أسس تقسيم الثروة في الأنظمة الفيدرالية، ونبدأ بتعريف الفيدرالية، والفرق بينها وبين الكونفيدرالية، وتاريخ الفيدرالية، وضرورتها في بعض البلدان، والفيدرالية في الإسلام، ونشأة الدول الفيدرالية، ومن ثم الدخول في موضوع تقسيم السلطات بين الحكومة المركزية والأقاليم، ليكون مدخلاً للولوج في موضوع كيفية تقسيم الثروات في الأنظمة الفيدرالية، ومن ثم مناقشة موضوع إشكالية توزيع الثروة في النظام الفيدرالي المقترح في العراق.o تعريف الفيدرالية:هنالك تعريفات مختلفة للفيدرالية (بحسب الدولة الفيدرالية التي تتبناه) لكن المفهوم الأساسي للفيدرالية هو ممارسة مستويان من الحكم على نفس المجموعة البشرية عن طريق الخلط بين الحكم المشترك أحياناً والحكم الذاتي أحياناً أخرى وذلك لاحترام وتشجيع التنوع في إطار الوحدة السياسية الأكبر.وتورد بعض المصادر تعريف آخر للفيدرالية وهي: نظام سياسي يفترض تنازل عدد من الدول أو القوميات الصغيرة في اغلب الأحيان، عن بعض صلاحياتها وامتيازاتها واستقلاليتها لمصلحة سلطة عليا، موحدة تمثلها على الساحة الدولية وتكون مرجعها في كل ما يتعلق بالسيادة والأمن القومي والدفاع والسياسة الخارجية .لم يتفق فقه القانون العام العربي على مصطلح موحد يقابل المصطلح الانجليزي State Federal أو الفرنسي (Etat Federal) فهناك من يطلق عليه (الدولة الاتحادية) أو (الاتحاد المركزي) و (الدولة الفيدرالية) و(الاتحاد الفيدرالي) و (الاتحاد الدستوري) و (الدولة التعاهدية) .o ما هو الفرق بين الفيدرالية والكونفدرالية:هنالك نوع من الدول هي (الكونفدرالية confederation) وهذه تختلف عن الدول الفدرالية حيث أنها تتألف من دول مستقلة ولكنها تتفق فيما بينها لتأسيس Confederation الكونفدرالية، أي حلف لحماية مصالحها وتتخذ قراراتها الكونفدرالية بالإجماع، بينما الدولة الفدرالية هي دولة واحدة بالرغم من توزيع الصلاحيات عموديا وأفقيا، وأسم الدولة السويسرية مازال كونفدرالية رسميا إشارة لأصولها الكونفدرالية، مع أنها أصبحت دولة فدرالية منذ عام 1848 وتتألف من دول اتحادية تسمى كانتونات canton عددها حاليا 26 بين كانتون و نصف كانتون.o

 الفيدرالية تاريخيا:
إن الفيدرالية ليست مفهوماً حديثاً كما يظن البعض، فقد عرفت حتى في المجتمعات السياسية القديمة، ففي العصر اليوناني
 القديم كانت هناك بعض المدن تسعى لإيجاد نوع من الفيدرالية يجري التوفيق فيها بين نزوع هذه المدن إلى الاستقلال الذاتي والنزوع إلى سلطة مركزية تنسق فيما بينها. وقد بقيت الفيدرالية بهذا المعنى الأولي حتى العصر الوسيط والعصر الحديث.. 
غير أنها تطورت وتجددت إلى ماهي عليه في الوقت الحاضر عبر نظام الولايات المتحدة الأميركية الذي تأسس بين عامي 1787 و1789، وأيضا عبر النظام السويسري الدستوري ابتداءً من عام 1848 والوحدة الألمانية في الستينيات والسبعينيات من القرن التاسع عشر. وفكرة الفيدرالية باعتبارها أساسا للحكم عن طريق اتحاد عدد من الولايات أو الأقاليم أو الدول تتعايش معا دون انفصال ودون وحدة، هي فكرة قديمة للغاية تعود إلى العهد الاغريقى القديم، حيث ظهرت عندئذ دول تجسدت فيها بوضوح هذه الفكرة منها إئتلاف الولايات الاغريقية بإشراف (مجلس الامفكتيويين) وعصبة الايخائية التي كانت عبارة عن مجموعة من المدن الاغريقية المؤتلفة، و اتحاد أثينا و ديليا Athenia & Dillia، واتحاد (Achean League) في (281-146) قبل الميلاد، و الحال كذلك في اتحاد المدن والولايات في الهند القديمة، الذي كان يضم عددا من الولايات المتحدة مثل: Panchjananah, Soptajanah, Virat وعلى أساس فيدرالي، إذ كانت دولة الهند القديمة مزيج من الفيدرالية والإقطاعية .o متى تصبح الفيدرالية ضرورية؟نلاحظ عند البحث التاريخي لنشوء الأنظمة الفيدرالية، مجموعة من الأسباب المتنوعة تقف وراء نشوء هذه الأنظمة، ففي دول مثل الولايات المتحدة وروسيا والبرازيل، لعبت مساحة البلاد الشاسعة دورا في تبني الفيدرالية، لان تقسيم البلاد إلى إقليم وولايات سهل مهمة إدارتها، وخفف عبء إدارتها عن حكومة المركز، وفي دول مثل كندا والهند لعب التنوع العرقي دورا مهما إلى جانب مساحة الدولتين الشاسعة، فالهند شبه قارة، وكندا ثاني اكبر بلد مساحة بعد روسيا، وفي الولايات المتحدة نشأ النظام الفيدرالي مع نشوء الدولة وتخلصها من الاستعمار البريطاني، وكان لواضعي الدستور الأميركي نظرة خاصة في أمور شتى منها تبني الفيدرالية لدولة مترامية الأطراف، ولو أن فيدرالية أميركا بدأت بثلاث عشرة ولاية فقط، وفي ألمانيا والنمسا، ينحدر السكان تقريبا من عرق واحد، ولكن ثمة اختلافات ثقافية مناطقية، فعمل بالفيدرالية للحفاظ على الهوية الثقافية لهذه الأقاليم، وهناك عددا من الأسباب التي تدعم التوجه الدولي لجمع السيادة بين الدول أو الأقاليم بمختلف إشكال الفيدرالية منها :أولا: شكلت التقنيات الحديثة في المواصلات والاتصالات الاجتماعية والتكنولوجيا والتنظيم الصناعي، ضغوطا باتجاه تشكيل تنظيمات سياسية كبيرة وأخرى صغيرة في آن واحد.ثانيا : الإدراك بان الاقتصاد الذي يتخذ طابعا عالميا، بشكل متزايد، قد أطلق بحد ذاته قوى اقتصادية وسياسية تدفع إلى تقوية الضغوط الدولية والمحلية على حد سواء على حساب الدولةـ الأمة القومية.ثالثا: أدى انتشار اقتصاديات السوق إلى خلق ظروف اجتماعية واقتصادية تساعد على تقديم الدعم لفكرة الفيدرالية، وتضم هذه الظروف باختصار التشديد على العلاقات التعاقدية، الاعتراف بالطابع اللامركزي لاقتصاد السوق، الحكم الذاتي التجاري النزعة، والوعي بحقوق المستهلك، الأسواق التي تزدهر على التعددية بدلا من التجانس، وعلى التنافس والتعاون في آن واحد.رابعا: ولدت التغيرات الهائلة في التكنولوجيا نماذج فيدرالية جديدة ومتزايدة من التنظيم الصناعي التي تتضمن تسلسلا تراتبيا لامركزيا يشمل شبكة متفاعلة لامركزية.خامسا: تم توجيه المزيد من الاهتمام للرأي العام، خاصة في أوروبا نحو مبدأ (التابعية)، بمعنى وجود هيئة سياسية عليا يجب أن تتولى المهمات التي لايمكن تحقيقها من قبل الهيئات السياسية الأدنى. o الفيدرالية والنظام الإسلامي:هنالك من يعتقد بأن هنالك تناقض بين الإسلام والفيدرالية، ويدخل هذا في إطار الجهل بالإسلام الحقيقي من جهة وبوجود أحكام مسبقة من جهة أخرى ساهمت بزيادة تأصلها واقع الدول العربية والإسلامية الحالي وأعمال بعض المجموعات التي تتخذ الإسلام شعاراً.بحسب تعريف الفيدرالية هنالك ضرورة لنوع من التقاسم بالحكم بين مستويات مختلفة ضمن مبادئ الحكم المشترك والحكم الذاتي، وفي هذا بالذات لا يوجد أي تناقض مع الإسلام فقد عرف المسلمون أنظمة تشرّع مبدأ الحكم الذاتي في وقت كانت ترفضه معظم أوروبا لأنها كانت متمسكة بالدولة كاملة السيادة وليدة القرن الثامن عشر، ونشير هنا إلى رسالة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى الصحابي مالك الاشتر عندما ولاه مصر وهي تشير في العديد من مفرداتها إلى الفصل بين صلاحيات السلطة المركزية المتمثلة بالخلافة الإسلامية في الكوفة وبين صلاحيات الأطراف المتمثلة بولاية مصر، وكذلك إلى تجربة العثمانيين والتي ما زالت سارية حتى الآن في بعض الدول العربية (على الأقل بما يخص الأحوال الشخصية) وهو ما يسمى نظام "الملة" والذي ترك لكل مجموعة دينية الاستقلالية الداخلية مع صلاحيات واسعة للرؤساء الدينيين فيها . هذا يعني أن مبدأ الفيدرالية لا يتناقض مع الإسلام، وأنه من الممكن التفكير جدياً بطريقة لبناء مجتمعات تحترم الحقوق الأساسية والمعترف بها عالمياً سواء للأفراد أو للجماعات دون التخلي بالضرورة عن مبادئ وأحكام الدين؛ وإن تطلب ذلك أحياناًَ إجراء بعض التغييرات الضرورية فإنها لن تكون حركة إصلاح "صنعت في الولايات المتحدة" بل ستأتي نابعة من حاجات المجتمع المعني. o نشأة الدولة الفيدرالية:يثير البحث في الدولة الفيدرالية، باعتبارها دولة اتحادية؛ مسألة كيفية نشأتها، ومن خلال الدراسات المقارنة يتبين أن الدولة الفيدرالية يمكن أن تنشأ بإحدى طريقتين:الأولى: تفكك دولة بسيطة موحدة إلى عدة وحدات ذات كيانات دستورية مستقلة، ثم بناءً على الدستور الفيدرالي يتم توحيد هذه الولايات ثانية على أساس آخر وهو الدولة الفيدرالية، ويعتبر كل من الاتحاد السوفيتي سنة 1922 والبرازيل سنة 1891 والأرجنتين سنة 1860 والمكسيك وفق دستور سنة 1857 المعدل سنة 1917 وتشيكوسلوفاكيا سنة 1969، من الدول الفيدرالية التي نشأت بهذه الطريقة.الثانية: انضمام عدة ولايات أو دول مستقلة يتنازل كل منها عن بعض سلطاتها الداخلية، وعن سيادتها الخارجية ثم تتوحد ثانية لتكوّن الدولة الفيدرالية على أساس الدستور الفيدرالي، ومن أمثلتها الولايات المتحدة الأمريكية عام 1787 وجمهورية ألمانيا الاتحادية عام 1949 والاتحاد السويسري عام 1874 واتحاد الإمارات العربية عام 1971.وإذا نظرنا إلى فكرة الفيدرالية في ذاتها، وجدناها تقوم على أساس عنصرين متناقضين هما "الاستقلال الذاتي" و"الاتحاد" وأن الترابط بين هذين العنصرين بعلاقتهما المتبادلة والمتعارضة يشكل وحدة المفهوم الحقيقي للدولة الفيدرالية التي هي نتاج التوفيق بين رغبتين متعارضتين: تكوين دولة واحدة من ناحية، والمحافظة على اكبر قدر من الاستقلال الذاتي للولايات الأعضاء من ناحية أخرى.o كيفية تقسيم الثروات في الأنظمة الفيدرالية:تشكل قضية تقسيم الثروة الوطنية بين المجتمع، وهل تبقى الدولة مهيمنة على الثروات الوطنية؟ وهل تبقى الحكومة الاتحادية في المركز تتصرف بثروات المحافظات والأقاليم؟ أم تعطى هذه المحافظات قسماً من عائدات الثروات ويرسل القسم الآخر للخزينة العامة؟ الأسئلة الملحة التي يبحث الأفراد المقبلين على الأنظمة الفيدرالية أجوبة شافية عنها. من المعروف أن الدولة اللامركزية تقوم فيها مستويين من السلطات: سلطة الدولة أو السلطة المركزية، وسلطات المناطق المحلية أو السلطات الثانوية، وفي ظل اللامركزية تتمتع الهيئات المحلية بصلاحيات تشريعية وتنفيذية يتحدد نطاقها بطبيعة المهام والواجبات الملقاة على عاتقها. واحد أهم الأسباب التي تدعو إلى الأخذ بنظام اللامركزية، وجود مناطق معينة تربط بين سكان الواحدة منها روابط خاصة نابعة عن خصوصية ظروفهم ومصالحهم المشتركة، وبعد السلطة المركزية عن هذه المناطق، وتعقد مشكلات الأخيرة وتعدد حاجاتها، ويمكن أن يضاف إلى ذلك توسع مهام الدولة بحيث يصعب عليها إدارة جميع أنحاء البلاد بعبارة موجزة يمكن القول: إن اللامركزية يقصد بها وجود درجة من تفويض السلطة ممنوحة إلى التنظيمات الإدارية في الدولة لتنظيم شؤونها الداخلية (الاقتصادية والسياسية والاجتماعية). وفي مجال تطبيق هذا المفهوم على مستوى وحدات الجهاز الفيدرالي للدولة، فان نظام اللامركزية الإدارية (الفيدرالية) تكون لها أهمية كبيرة بالنسبة لتنظيم العلاقة التي تنشأ بين التنظيمات التي يكون لها سلطات في مثل الوزارات وبين الفروع التابعة لها في المناطق المحلية المختلفة.ولغرض الإجابة على الأسئلة التي تم طرحها آنفاً فينبغي أولاً معرفة اختصاصات النظام الفيدرالي التي يمكن حصرها بالاتي:-• للحكومة الفيدرالية حق عقد المعاهدات الدولية وعقد الصلح مع الدول الأخرى. • للحكومة الفيدرالية حق تنظيم الموازنة العامة للدولة وتوزيع الثروات. • وحدة العلَم.• وحدة التمثيل الخارجي والسفارات تكون بيد الحكومة الفيدرالية. • وحدة القوانين والقضاء تكون بيد الحكومة الفيدرالية، ولا يمنع من أن تكون للحكومات المحلية في الأقاليم دساتير مناسبة تتناسق مع دستور الدولة الاتحادي. • وحدة المؤسسات العسكرية تكون بيد الحكومة المركزية. • تكون باقي الأمور الإدارية للإقليم متروكة لشؤون الإقليم والمجالس المحلية المنتخبة.وهنا فأن الموضوع الذي سيتم التركيز عليه في هذه الورقة هو (حق تنظيم الموازنة العامة للدولة وتوزيع الثروات) الذي هو إذن من اختصاص الحكومة المركزية، ويشكل النفط العمود الفقري للإيرادات العراقية والدخل القومي، حيث تبقى المعادن الأخرى والمنتجات الزراعية والصناعية تحتل موقعاً ضعيفاً، ولما كانت حقول النفط المنتجة تقع في بضع محافظات محددة، أخذت تتصاعد الدعوات في ضرورة حصول المحافظات النفطية على حصة كبيرة من عائدات النفط العراقي. إن الدعوة لتخصيص نسبة معينة من عائدات النفط للمحافظة المنتجة لها قد تبدو منسجمة مع النظام الفيدرالي المزمع إقامته في العراق، حيث أن الأقاليم الجديدة بحاجة إلى إيرادات تغطي بها ميزانياتها، وكذلك للإنفاق الضخم على خطط الإعمار، ولكن هل يعني ذلك أن كل محافظة تستأثر بعائدات الثروة العراقية الموجودة في أراضيها ولا تلتفت لالتزاماتها ومسؤولياتها تجاه المحافظات الأخرى؟ وهل تبقى المحافظات التي لاتحتوي على خزين من الثروات النفطية فقيرة تمد يد المساعدة إلى الآخرين؟ وهل تستطيع الحكومة الفيدرالية في العاصمة أن تؤدي التزاماتها القانونية والإدارية والمالية والسياسية تجاه الأقاليم دون تمويل؟ لقد تفاوتت وجهات النظر بين الساسة العراقيين بخصوص هذه النقطة التي عُدت من اعقد النقاط التي واجهها موضوع الفيدرالية وبخاصةً بعد تصاعد الدعوات حول ضرورة اختلاف التخصيصات بين الأقاليم المنتجة للنفط والأقاليم الأخرى التي لا تحتوي على مخزونات نفطية، ومن المؤكد إن هذه الدعوات نابعة من الحرمان الطويل الذي عانت منه بعض المحافظات وخاصة المحافظات النفطية منذ بدء تصدير النفط لأول مرة عام 1927، فمن غير المقبول أن يجري استخراج النفط من أراضي هذه المحافظات ويصدر إلى الخارج وتذهب عائداته إلى المركز في بغداد وبعض المحافظات التي ينتمي إليها رجال السلطة والحكومة، إضافة إلى أن هذه الدعوات كانت ناجمة عن التراكمات السياسية والاقتصادية التي فرضها النظام السابق والتي كانت تتسم بالتمييز بين محافظة وأخرى في الإنفاق المالي والتخصيصات الاستثمارية، إذ إن الأرقام والحقائق تؤكد هذه الحقيقة ففي مراجعة بسيطة إلى توزيع التخصيصات الاستثمارية على المحافظات العراقية يتضح انه لم يكن هناك تناسب بين عدد ونسبة سكان كل محافظة وقيمة ونسبة ما يخصص لها من نفقات في الموازنة. وبالمقابل فأن هناك ضمانات اقتصادية نص عليها الدستور العراقي الجديد، إذ أن ملكية وإدارة الحقول النفطية الحالية وكذلك توزيع عائداتها تمت معالجتها دستوريا في المادتين 111 و112 ولسنا هنا في صدد نقاش مضامين المواد بقدر ما هي محاولة للتركيز على فقرة توزيع عائدات هذه الواردات على الشعب بالشكل المنصف مع استعمال المعايير التي تضمنتها الفقرة: معيار الكثافة السكانية ومعيار الحرمان الذي أصاب المحافظات والأقاليم المتضررة من قبل النظام السابق ومعيار الضرر الذي لحق بها بعد ذلك والمهم كذلك في هذه الفقرة هو أن هذه المعايير المذكورة دستوريا في توزيع العائدات يجب أن تؤدي إلى تحقيق التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة في البلاد. إذن عائدات الثروة يجب أن تحقق توازنا تنمويا من دون تمييز في شتى أنحاء البلاد، هذا التوازن في التنمية يصبح المجس الرئيسي في ضمان توزيع العائدات بالشكل الذي يضمن تخصيص حصة عادلة للأقاليم والمحافظات تكفي للقيام بأعبائها ومسؤوليتها مع الأخذ بنظر الاعتبار مواردها وحاجاتها ونسبة السكان فيها كما أشارت إليه الفقرة 3 من المادة 121من الدستور.هذه ضمانة دستورية ولكن من اجل السير بشكل متوازن يدفع بالطمأنينة إلى نفوس العراقيين يتحتم على مجلس النواب الإسراع في تقديم قانون ينظم توزيع العائدات النفطية بالطريقة التي تحقق التوازن في التنمية بشكل عادل وتخلق شعوراً لعامة العراقيين بعدالة التوزيع. هذه الخطوة تعد احد صمامات الأمان لرفع هواجس الحرمان والحيف المتوقع حصوله من جراء تشكيل الأقاليم، وفي السياق نفسه أن الإسراع في مناقشة قانون النفط والغاز ودفعه إلى البرلمان يرسم ملامح إدارة الثروة النفطية بالشكل الذي يحقق الاستغلال الأمثل للثروة بمشاركة الحكومة الاتحادية وبمشورة الأقاليم والمحافظات، إذن نحن أمام مهمتين أساسيتين: إدارة الثروة النفطية وإدارة عائداتها، وهاتان المهمتان بحاجة إلى أن تنظم بقانون يحمل في مضامينه تحقيق الإنصاف والعدالة في التوزيع والمهنية في الإدارة لصالح كل الشعب العراقي.ومع قيام النظام الفيدرالي في العراق، فان الحكومات الإقليمية يجب وان يكون لها نفوذ مالي يسمح لها بتشكيل السياسات الاقتصادية التي تلبى احتياجات الإقليم وتعود على الأفراد بزيادة الدخل مما يأخذهم إلى السعي وراء تطبيق هذا النظام.أما بدون مصادر الدخل المستقلة، فان الحكومات الإقليمية ستظل معتمدة على الحكومات المركزية لتمويلها، الأمر الذي يجعل استقلال الأقاليم استقلالا سياسيا أمراً أجوف فارغ المضمون وسيحول دون تطبيق سياستهم التي صنعوها بأنفسهم.وبما أن معظم دخل العراق من البترول، لذا فان كل الأقاليم يجب وان يكون لها نصيب من هذا الدخل وإلا فسيؤدى هذا إلى نشوب خلافات على الثروة ذلك الأمر الذي قد يتفشى في كل أنحاء البلاد، أما عن كيفية توزيع دخل البترول، فإن الأقاليم الغنية بالبترول يجب وان يكون لها النصيب الأكبر من هذا الدخل حيث أنها الأقاليم المنتجة له، ويتسبب إنتاجها للبترول في مشاكل لهم بما في ذلك تدمير البيئة المحلية وبالتالي فان الفشل في تعويض تلك الأقاليم المنتجة للبترول عن ما تتكبده من عناء قد يتسبب بكل سهولة في ظهور موجات من الغضب والاستياء، بنفس القدر التي كانت ستستاء به الأقاليم غير المنتجة للبترول في حالة حرمانها من دخل البترول .وعلى الرغم من إمكانية إيجاد حل عادل في مسألة السيطرة الإقليمية وتوزيع الثورة إلا أنه يجب أولا إذابة جميع الفروق الاقتصادية بين كل الجماعات على المستوى القومي، إن هذا النوع من السياسة يتناسب مع مطالب الأكراد حيث أنهم أبدوا رغبتهم في أن يتم تقسيم الدخل القومي بين الأقاليم بما في ذلك دخل البترول وذلك حسب تعداد السكان.وإذا نظرنا إلى التجربة النايجيرية، تلك الدولة التي لديها احتياطي وفير من البترول فان هذا سيوضح لنا المشاكل المحتملة والتي يتسبب تقسيم دخل البترول في إثارتها داخل العراق الفيدرالي، وما حدث بنيجيريا هو أن الأقاليم المنتجة للبترول تظلمت من سياسة تقسيم الدخل وقالت إننا نتكبد المشقة والعناء في إنتاج البترول وذلك على حساب اقتصادنا وبيئتنا الطبيعية ولذا فإننا نستحق النصيب الأكبر من هذا الدخل، ومع الوقت تحولت تلك المطالب إلى أعمال عنف وظهرت حرب العصابات التي قامت بأعمال تخريبية في أنابيب البترول وذلك لجذب انتباه الحكومة، ومن جانبها فقد أعلنت الحكومة النيجيرية عن استجابتها لتلك المطالب ووعدت بزيادة دخل الأقاليم البترولية عن الأقاليم غير البترولية بنسبة 13% من دخل البترول ولذا فقد ظهرت منافسة حادة وعنيفة لفرض السيطرة على دخل البترول في أقاليم الدلتا البترولية وكذلك فرض السيطرة على الحقول غير الشرعية للبترول في المنطقة.وقد أظهرت التجربة الأمريكية أن نمو الصناعة وتوسعها يتطلب توسيع صلاحيات السلطة الفدرالية المركزية وتقلص سلطة الولايات، الاتجاه العام في التجربة الأمريكية منذ إعلان الدستور قبل أكثر من 200 عام هو من الكونفدرالية إلى الفدرالية إلى فدرالية ممركزة مع نمو الهوية القومية الأمريكية .أ‌. مسؤوليات الإنفاق العام :سنحاول هنا الإجابة على تساؤل مهم وهو كيف يجب تقسيم مسؤوليات تأمين الخدمات العامة بين الحكومتين المركزية (الوطنية) والإقليمية (المحلية)؟ وسنحاول تسليط الضوء في البداية على تجارب بعض الدول الفيدرالية، ومن ثم التطرق إلى العوامل الواجب دراستها في هذا المجال وكالاتي:• تجارب الاتحادات الفدرالية الأخرى :على الرغم من أن الاتحادات الفدرالية كلها تتشاطر بعض الصفات المتشابهة في كيفية توزيعها المسؤوليات، إلا أن الأمر لا يخلو من اختلافات مهمة في هذا الجانب، فعلى سبيل المثال فانه في معظم الاتحادات الفدرالية تقع مسؤوليات العلاقات الخارجية والأمن القومي على عاتق الحكومة الوطنية، فيما يتكفل المستوى الإقليمي أو المحلي بالبنى التحتية المحلية كالطرقات المحلية أو الإقليمية ومنشآت تكرير المياه .لكن الاتحادات الفدرالية قد تختلف اختلافا جذريا من حيث الطريقة التي تقدم عبرها الخدمات، كالتعليم الجامعي والرعاية الصحية ودعم الدخل، وتنتج بعض التعقيدات جراء تلك الاختلافات، إذ أن الحكومة الوطنية تصمم البرامج وتمولها أحيانا، غير أن الحكومة الإقليمية هي التي تطبقها، ومثال على ذلك ما تعكسه حالة التعليم الجامعي في استراليا وكندا من اختلافات، ففي استراليا يعتبر التعليم الجامعي مسؤولية مشتركة بين الحكومتين الوطنية والإقليمية مع تولي الحكومة الوطنية الدور الأهم، أما في كندا فالتعليم الجامعي مسؤولية إقليمية أساسا مع وجود تغييرات واسعة في البرامج بين إقليم وآخر، لكن الحكومة الوطنية تؤدي حتى في كندا دورا من خلال تقديم المنح إلى الأقاليم وبالتحديد إلى المؤسسات لدعم الأبحاث والى الأفراد على شكل قروض طلابية .• العوامل الواجب دراستها :? الحجم الفعال للبرامج: لا تكشف بعض البرامج عن فعالياتها إلا أن يتم تطبيقها على المستوى الوطني ولعل ابرز مثال على ذلك هو توقعات الطقس، أما البرامج الأخرى كالتعليم الابتدائي والثانوي والرعاية الصحية فيمكن أن تطبق بفعالية على المستوى الإقليمي.? الآثار الثانوية (للإنفاق العام) بين الأقاليم: في بعض الأحيان تؤثر أفعال بعض الأقاليم تأثيرا كبيرا على الأقاليم الأخرى، فإذا كان التعاون بين الأقاليم صعبا فلعله من الأفضل حين ذاك أن تقوم الحكومة الوطنية بتقديم خدمات محددة بنفسها، وفي هذا السياق يعتبر التنظيم المالي احد هذه الأمثلة فمن شأن إتباع تنظيمات مالية متنوعة في أقاليم مختلفة أن يزيد من كلفة العمل لا بل قد يعرقل النمو الاقتصادي.? الاختلافات الإقليمية من حيث الحاجات والتفضيلات: إذا كانت الأقاليم تملك حاجات مختلفة بالنسبة للبرامج الحكومية أو تفضيلات مختلفة في ما يتعلق بأنواع البرامج التي تطلبها الحكومة فلعله من الأفضل أن يتم تنفيذ هذه البرامج على المستوى الإقليمي، ومن الأمثلة على ذلك برامج التربية الابتدائية والثانوية الموجهة نحو تعليم اللغة والثقافة الخاصتين بكل إقليم .? الإنصاف والمعايير الوطنية: قد يكون من المهم بالنسبة لبعض البرامج أن يتمتع المواطنون كافة بحق الوصول إلى الخدمات نفسها بغض النظر عن مكان سكنهم وذلك لأسباب تتعلق بإرساء العدالة والإنصاف بينهم، ومن الأمثلة على ذلك الرواتب التقاعدية، ففي معظم الاتحادات الفدرالية تقدم الحكومة الوطنية هذه الرواتب بنفسها، ومرد ذلك إلى حد ما اعتبار ذلك حقاً من حقوق المواطنة .ب‌. مسؤوليات جمع الإيرادات :سنحاول هنا الإجابة على تساؤل مهم وهو كيف يجب تقسيم مسؤوليات جمع الإيرادات بين الحكومتين المركزية والإقليمية؟ وسنحاول تسليط الضوء في البداية على تجارب بعض الدول الفيدرالية، ومن ثم التطرق إلى العوامل الواجب دراستها في هذا المجال وكالاتي:• تجارب بعض الدول الفيدرالية:كما في مسؤوليات الإنفاق، تختلف الاتحادات الفيدرالية إختلافاً واسعاً من حيث تقاسمها مسؤوليات جمع الإيرادات بين الحكومتين المركزية والإقليمية، بالاضافة إلى ذلك، لايفرض تحمّل الأقاليم مسؤوليات إنفاق مهمة أنها ستجمع حصة كبيرة من الإيرادات، ففي كندا، تطبق الحكومات الإقليمية معظم برامج الإنفاق، وتجمع أكثر من نصف الإيراد بقليل، أما في الولايات المتحدة الأميركية، فتنفق الحكومة الوطنية المبلغ الأكبر، وتجمع أكثرية الإيرادات، أما في ألمانيا، فتجمع الحكومة الوطنية معظم الإيرادات، لكن الحكومات الإقليمية تدعم جزءاً كبيراً من البرامج العامة.• العوامل الواجب دراستها :? المساءلة: تحرز الأنظمة الديمقراطية نجاحا اكبر حين يتمكن المواطنون من مساءلة الحكومات حول طريقة إنفاقها للمال العام، وتتعزز المساءلة في حال كانت الحكومة التي تطبق برنامجا ما هي نفسها التي تجمع الإيراد اللازم لتمويله .? قابلية التحرك لدى دافعي الضرائب: يحاول دافعو الضرائب كلما وسعهم إلى ذلك سبيلا أن يديروا أعمالهم بطريقة تخولهم دفع الحد الأدنى من الضرائب، على سبيل المثال تأخذ الشركات بعين الاعتبار مستوى الضرائب حين تقرر أين يجب إنشاء المصانع الجديدة وغيرها من الاستثمارات، ولعله من الأجدر ببعض دافعي الضرائب (كالشركات) حين يسهل عليهم التنقل بين الأقاليم المختلفة، أن يحصلوا على معاملة ضرائبية متساوية في أنحاء الاتحاد الفدرالي بأكمله، ويمكن انجاز ذلك أما عبر تعيين مسؤوليات الإيراد هذه للحكومة الوطنية، وأما عبر تحقيق درجة عالية من التعاون بين الحكومات الإقليمية فيما يخص القوانين الضريبية.? إعادة التوزيع :لا يعتبر جمع الإيراد مهما بالنسبة لتمويل الخدمات العامة وحسب، بل في ما يتعلق بالتشارك في تحمل عبء التكاليف الحكومية أيضا بشكل متساو بين الأفراد والأقاليم، وعادة ما تنفذ الحكومات الوطنية والإقليمية عملية إعادة التوزيع بين الأفراد من خلال فرض ضريبة على الدخل، أما إذا كانت قدرة الأقاليم على توليد الإيرادات تختلف اختلافا جذريا بين إقليم وآخر، فمن الضروري أن تمتلك الحكومة الوطنية القدرة على جمع ما يكفي من الإيرادات لتحويل الموارد إلى أقاليم اقل حظاً ولتمويل مسؤولياتها الخاصة المتعلقة بالإنفاق .? ملكية الموارد الطبيعية: يشكل الإيراد الصادر عن الموارد الطبيعية مشكلة خاصة في الاتحادات الفدرالية، فلما كان يستحيل نقل الموارد الطبيعية، فأن الإيراد الصادر عنها غالبا ما يعتبر ملكا للأقاليم حيث تقع، ولكن إذا كان الإيراد الناتج عن المورد الطبيعي كبيرا ومتركزا في بعض الأقاليم دون غيرها فتطرح حينذاك مشكلة العدالة بين الأقاليم، وفي مثل هذه الحالات تحتاج الحكومة الوطنية أما إلى طرح التشارك في إيرادات المورد الطبيعي، وأما إلى تأمين إيراد كاف من مصادر أخرى وذلك من اجل معالجة قضايا العدل هذه والإيفاء بمسؤوليات الإنفاق الخاصة بها .? المحافظة على انخفاض التكاليف الإدارية وتكاليف الالتزام: في الواقع أن جباية الضرائب هي إحدى (الخدمات) التي تقدمها الحكومة إلى الشعب، من هنا يجب أن يسهل نظام جباية الضرائب على الأفراد والشركات دفع الضرائب المفروضة (تكاليف التزام منخفضة) والتمتع بأكبر قدر ممكن من الفعالية (تكاليف إدارية منخفضة) فيفرض هذا أن الحل الأكثر فعالية سواء كانت الحكومة الوطنية أو الإقليمية هي جابية الإيرادات من ضريبة معينة، هو اعتماد وكالة واحدة لجباية الضرائب عوضاً عن إنشاء كل إقليم لنظام جباية متوازٍ.ت. إدارة الاقتصاد : سنحاول هنا الإجابة على تساؤل مهم وهو ما هي المسؤوليات التي يجب أن تتحملها الحكومتان المركزية والإقليمية لإدارة التقلبات في الاقتصاد؟ وسنحاول تسليط الضوء في البداية على تجارب بعض الدول الفيدرالية، ومن ثم التطرق إلى العوامل الواجب دراستها في هذا المجال وكالاتي:• تجارب بعض الدول الفيدرالية:تحاول الحكومات الحديثة إدارة التقلبات الاقتصادية باستخدام السياسة النقدية (وهو التحكم بالعملة المتداولة ومعدلات الفائدة وسعر الصرف) والسياسة المالية (وهو التحكم بالإنفاق الحكومي والنظام الضريبي وإدارة الديون)، ففي كل الاتحادات الفيدرالية فعلاً، يتحكم المستوى الوطني بالسياسة النقدية (غالباً بواسطة البنك المركزي المستقل عن الحكومة) فيما تعتبر السياسة المالية مسؤولية مشتركة بين الحكومتين المركزية والإقليمية.• العوامل الواجب دراستها :? السياسة النقدية: تعتبر العملة المتداولة ورأس المال متحركين للغاية، ومن شأن تحويل الأموال الكترونياً بواسطة أجهزة الحاسوب الخاصة أن تُصعّب عملية التحكم بهما، وما دامت السلع والخدمات ورأس المال تتدفق تدفقا حرا بين أقاليم الاتحاد الفدرالي، فقد أمسى من المستحيل فعليا على الحكومات الإقليمية أن تدير سياسة نقدية مستقلة، ونظرا إلى أن الحكومات الوطنية تتحكم بمورد العملات فيمكنها أن تبسط نوعا من التحكم على الاقتصاد من خلال السياسة النقدية، لكن في ظل بيئة من الأسواق المالية العالمية تواجه اكبر الدول نفسها بعض القيود أثناء اتخاذ قرارات السياسة النقدية .? السياسة المالية :عمليا تحاول كلتا الحكومتين الوطنية والإقليمية في الاتحادات الفدرالية أن تديرا التقلبات الاقتصادية اعتمادا على السياسة المالية فيعتمد حجم جهودهما على حجم التقلبات ومصدرها وإيديولوجية الحكومة السياسية وقدرتها على معادلة التقلبات وقد تكللت الآليات السياسية لتنسيق السياسة المالية بالنجاح في بعض الاتحادات الفدرالية كاستراليا مثلا، ومن المهم التمييز بين سياسة الاستقرار (الناشط) –حيث تتعمد الحكومات تغيير مستوى الإنفاق ومعدلات الضرائب لتحاول معادلة التقلبات في الاقتصاد ولو جزئيا ـ وسياسة الاستقرار (الآلي) فقد أثبتت سياسة الاستقرار الناشط أنها غير فعالة بشكل واسع باستثناء الحالات التي تكون فيها التقلبات كبيرة للغاية وذات مدى بعيد، ولعل السبب الأبرز لذلك هو عجز الحكومات عن التصرف بالسرعة الكافية بهدف بسط التأثير المطلوب عند الحاجة، أما سياسة الاستقرار الآلي فتطبق كلما كانت الإنفاقات الحكومية والضرائب حساسة تجاه الظروف الاقتصادية، على سبيل المثال تنهار إيرادات ضريبة الدخل حين تتباطأ عجلة الاقتصاد مما يعادل جزئياً تأثير التباطؤ في القطاع الخاص ويمكن لكلا المستويين الحكوميين أن يتخذا عادة تطبيق هذا الاستقرار الآلي .? إدارة الدين : أن القدرة على الاستدانة من اجل معالجة التقلبات الاقتصادية الفادحة، وتمويل رأس المال المستثمر، هي أداة مهمة من أدوات السياسة المالية، غير أن الأدلة من الاتحادات الفدرالية الناشئة تثبت أن الحكومات تحتاج إلى وضع نظام يمنع الدين من التحول إلى مصدر المشكلات الاقتصادية والمالية عوضا عن حل لها، في هذه الحالة أيضا قد يصبح تنسيق السياسة المالية عنصرا حاسما للنجاح .وقد تحتاج كلتا الحكومتين الوطنية والإقليمية إلى إرساء قواعد واضحة للسيطرة على الاستدانة مع فرض عقوبات محددة على صانعي القرار في حال انتهاك القوانين، ومن الأمثلة على ذلك قانون الدين/إجمالي الناتج المحلي أو الدين/الإيراد، ولعل توفر المعلومات الدقيقة والمحدثة حول مستويات الإنفاق الحكومي والإيرادات والدين هو العنصر الحاسم لإحراز النجاح، بالإضافة إلى ذلك يجب إلا تستدين الحكومات الإقليمية من شركات تملكها أو تتحكم بها (مثلا المصارف أو الشركات التجارية التابعة للقطاع الرسمي) نظرا إلى أن ذلك سيحد من الشفافية والمساءلة.فضلاً عن ذلك، من المفضل اعتماد سياسة واضحة تمنع (الإسعاف) أي إنقاذ مؤسسة من مأزق مالي، كي يعرف المقرضون أن الحكومة المركزية لا تقدم أية ضمانة، سواء صريحة أم مضمرة، للدين الحكومي الإقليمي، فمن شان هذه السياسة أن تساعد المقرضين على فهم طبيعة المخاطر التي يقبلونها، كما تعود بالفائدة على الحكومات الإقليمية بصفتها تتولى إدارة مالية حذرة.ث.معالجة الخلل المالي بين الحكومات :سنحاول هنا الإجابة على تساؤل مهم وهو ما هي الآليات التي تحتاج إليها الاتحادات الفيدرالية لمعالجة الخلل المالي بين الحكومات؟ وسنحاول تسليط الضوء في البداية على تجارب بعض الدول الفيدرالية، ومن ثم التطرق إلى العوامل الواجب دراستها في هذا المجال وكالاتي:• تجارب بعض الدول الفيدرالية:تستخدم الاتحادات الفدرالية كلها عملياً بعض الآليات لمعالجة الخلل المالي بين الحكومات، سواء بين الحكومة الوطنية والأقاليم كمجموعة، أو بين الأقاليم نفسها، وفي معظم الاتحادات الفدرالية تتخذ هذه الإلية شكل تحويلات من الحكومة الوطنية إلى حكومات الأقاليم، لكن في بعض الفدراليات (كالولايات المتحدة مثلاً) فإنها تتخذ شكل عدد كبير من البرامج الممولة فدرالياً التي تديرها الأقاليم الفردية.• العوامل الواجب دراستها :? القياس: لعل الشرط الأساسي لمعالجة الخلل المالي هو التمكن من قياسه، فعند حد أدنى، من الضروري قياس الإيرادات والنفقات الحكومية وعدد السكان في الوقت المناسب، وتجدر الإشارة هنا إلى أن آليات أكثر تعقيداً قد تتطلب قياس متغيرات إضافية كقواعد الضرائب.? الخلل بين الحكومتين الوطنية والإقليمية: في معظم الاتحادات الفدرالية لا تعتبر مسؤوليات الإنفاق والإيراد متناسبة تماماً، بعبارة أخرى يجمع احد المستويين الحكوميين إيرادات تفوق المطلوب من اجل تمويل برامجه الخاصة فيما لايجمع المستوى الآخر تمويل لازم مع انه من الأفضل تقليص هذا الخلل لأسباب تتعلق بالمساءلة كما تمت مناقشتها سابقاً، إلا أن الأسباب الداعية إلى وجود شرعية، ويمكن حل خلل كهذا أما عبر التحويلات(مع شروط حول كيفية إنفاق المال أو بدونه) أو عبر التشارك في الإيرادات، والتشارك في الإيرادات هو الحالة التي يفرد بموجبها احد المستويات الحكومية جزءا من الإيرادات من ضريبة أو ضرائب محددة ثم ينقله إلى مستوى حكومي آخر. o الخلل بين الحكومات الإقليمية :تملك معظم الاتحادات الفدرالية آلية لتحويل الموارد إلى الأقاليم التي تملك قدرة ما دون المعدل لجمع إيرادات، ويمكن لهذه الآليات أن تكون بسيطة (التشارك في الإيرادات وفقاً للسكان)، أو معقدة للغاية، كما يمكن أن تثبت بكل بساطة، الإيراد أو الإيراد والحاجات، بالنسبة لبعض النفقات الحكومية، وتجدر الإشارة إلى أن التحويلات التي تتطرق إلى الخلل بين الأقاليم لا تتضمن عادة شروط حول كيفية إنفاق المال، ولعل إحدى الأفكار الأساسية للأخذ بعين الاعتبار هي التحقق من كون آلية التحويل برنامج صاف أم غير صاف، فالبرامج الصافية (كما في استراليا) توزع جزءا محددا من الإيراد على الأقاليم وبالتالي تحمل الحكومة الوطنية عبئا محدودا متوقعا أما البرامج غير الصافية (كما في كندا) فتبني حجم كامل التحويلات على أساس حجم الخلل، وبالتالي تعرض الحكومة الوطنية لعبء مفاجئ وغير داعم على الأرجح وذلك إذا ازداد الخلل الإقليمي من دون ازدياد الإيرادات الحكومية .o توزيع الموارد المالية في الأنظمة الفيدرالية : أ‌. أهمية تخصيص الموارد المالية: يعتبر تخصيص الموارد المالية لكل مستوى من الحكم ضمن النظام الفدرالي أمرا هاما لسببين رئيسيين: أولا أن هذه الموارد تمكن الحكومات أو تقيدها فيما يتعلق بممارسة مسئولياتها التنفيذية والتشريعية كما نص عليها الدستور، وثانيا أن سلطات فرض الضرائب والإنفاق هي بحد ذاتها أدوات هامه لضبط الاقتصاد والتأثير عليه.ب‌. سلطات توزيع العائدات: تحدد معظم الأنظمة الفدرالية في دساتيرها (أو في تشريع خاص كما هو الحال في بلجيكا) سلطات جمع الإيرادات الخاصة بكل واحد من مستويي الحكم للمقارنة بين هذه السلطات، وتشكل رسوم الجمرك والمنافع العامة وضرائب الشركات وضريبة الدخل للأفراد ومختلف ضرائب المبيعات والاستهلاك، السلطات الضريبية الرئيسية وقد كانت رسوم الجمارك والمنافع العامة تخضع دائما للسلطة القانونية الفدرالية وذلك من اجل ضمان فرض رسوم جمركية داخلية فعالة وتحقيق وحدة اقتصادية، كما كانت ضرائب الدخل على الشركات تخضع في معظم الأحيان للسلطات الفدرالية، لان الشركات الكبرى عندما تحقق أرباحها تكون قد عبرت حدود الوحدات الإقليمية الداخلية، كما أن موقع المقر الرئيسي لهذه الشركات لايعكس بالضرورة المصادر الجغرافية لدخل هذه الشركات، وعلى أية حال فان هذه السلطات الضريبية في بعض الأنظمة الفدرالية يمكن أن تكون مشتركة، وفي هذه الحالة تكون خاضعة لسلطات قانونية متلازمة، أما ضريبة الدخل على الأفراد فإنها قد تكون أكثر ارتباطا، وبالتالي فهي غالبا من المجالات المشتركة بين الحكومات الفدرالية والإقليمية، على الرغم من أنها في بعض الفدراليات كانت من اختصاص السلطة الفدرالية بالكامل (مثلا، النمسا والهند، وتشيكوسلوفاكيا)، وضرائب الاستهلاك والمبيعات هي في معظم الأنظمة الفدرالية من المجالات التي تشترك بها الحكومات الفدرالية والإقليمية على الرغم من وجود بعض الاستثناءات .أن إحدى الميزات العامة لتخصيص السلطات المالية في جميع الأنظمة الفدرالية تقريبا هي أن غالبية مصادر الإيرادات الرئيسية تكون من نصيب الحكومات الفدرالية وحتى عندما تكون بعض المجالات الضريبية مشتركة أو تحت سلطات قانونية متلازمة فان الحكومات الفدرالية تميل إلى السيطرة لان السلطة الفدرالية تتمتع بصلاحية استباق وإلغاء أي مجال من السلطات القانونية المتلازمة، وبسبب التدابير الاحتياطية التي تقيد مجال مصادر الضرائب المباشرة وغير المباشرة المخصصة للحكومات الإقليمية، فأن هناك عاملان كان لهما تأثير خاص في خلق هذا النمط العام، احد هذه العوامل هو أن تركيز الموارد في يد الحكومة الفدرالية يعتبر أمرا هاما لكي تتمكن من القيام بالدور المتوقع منها عادة وهو إعادة توزيع الموارد المالية، العامل الآخر هو تأثير نظريات جون ماينارد كينز المتعلقة بسياسات تهدف إلى الاستقرار والتنمية الاقتصادية والتي كانت سائدة في الوقت الذي شهد تطوير العديد من الترتيبات المالية الفدرالية الحالية في هذه الأنظمة الفدرالية .ثمة مساحة تختلف حولها الآراء في عدد من الأنظمة الفدرالية، حيث تتركز الموارد الطبيعية في بعض المناطق دون تغيرها وهي ما إذا كانت سلطات فرض الضرائب وريع الامتيازات الخاصة بهذه الموارد يجب أن تكون في يد الحكومات الفدرالية وان يتم توزيعها على مختلف أجزاء الفدرالية أو تبقى في يد الحكومات الإقليمية، لقد كان هذا الخيار الثاني مسألة خلافية إلى أقصى حد في أنظمة فدرالية مثل كندا ،نيجيريا والبرازيل، كما كان مصدرا كبيرا للخلاف في المفاوضات الدستورية في العراق وذلك لأنه يؤدي إلى فوراق هائلة في ثروة الوحدات المكونة للفدراليات .هناك مصدرين آخرين هامين لجمع الأموال من جانب الحكومة بالإضافة إلى فرض الضرائب، المصدر الأول هو الدين العام وهذا مصدر مفتوح لمستوى الحكم في معظم الأنظمة الفدرالية على الرغم من أن الدين الخارجي في بعض الحالات (أهمها النمسا والهند وماليزيا ) يخضع بشكل مطلق للسلطة الفدرالية، وفي حالة استراليا يتم تنسيق جميع أشكال الدين العام الأساسية على المستوى الفدرالي والإقليمي من خلال عمل مجلس القروض بينالحكومي، المصدر الثاني هو عمل الشركات والمشاريع العامة والتي قد تشكل أرباحها مصدرا للدخل الحكومي، وهذا الأخير في معظم الأنظمة الفدرالية يكون مفتوحا لمستويي الحكومة الفدرالية والإقليمية ت‌. تخصيص سلطات الإنفاق يمكن القول بشكل عام أن توزيع سلطات الإنفاق في كل نظام فدرالي يتطابق مع الإطار المشترك للمسئوليات التشريعية والإدارية المخصصة لكل حكومة ضمن الفدرالية ولكن هناك بعض النقاط التي تجب ملاحظتها.أولا. حيثما تكون مسئولية إدارة جانب كبير من التشريع الفدرالي مناطة بحكم الدستور للحكومات في الوحدات المكونة للفدرالية كما في سويسرا والنمسا وألمانيا والهند وماليزيا، تكون مسئوليات الإنفاق الدستورية للحكومات الإقليمية أوسع بكثير مما قد يوحي به توزيع السلطات التشريعية لوحده .ثانيا. أن متطلبات الإنفاق في مختلف مجالات المسئوليات قد تختلف، مثلا أن الصحة والتعليم والخدمات والاجتماعية هي نسبيا مهمات أعلى كلفة مقارنة بالمهمات المتعلقة بالتنظيم والضبط أكثر منها بتوفير الخدمات.ثالثا. في معظم الأنظمة الفدرالية لم تكن سلطات الإنفاق في كل مستوى من مستويات الحكم محصورة بالضبط بما هو وارد في الصلاحيات القانونية التشريعية والإدارية، لقد كانت النظرة للحكومات عادة هي أنها تملك سلطة إنفاق عامة وبالتالي فقد استعملت الحكومات الفدرالية سلطات الإنفاق العامة لديها لكي تسعى وراء أهداف معينه في مجالات من الصلاحيات القانونية للدولة وذلك بتوفيرها منحاً للحكومات الإقليمية التي ما كان بإمكانها بدون هذا الأسلوب أن تتحمل نفقات تامين الخدمات المطلوبة من هذه الحكومات، ومن جانبها قامت حكومات الوحدات التكوينية في عدد من الأنظمة الفدرالية باستخدام سلطة الإنفاق العام لديها لإقامة مكاتب تجارية ولترويح منتجاتها خارج إطار الفدرالية حتى في حال غياب أية صلاحيات دستورية محددة في مجال الشئون الخارجية .لقد كان استعمال سلطة الإنفاق الفدرالي في مجالات خاضعة للسلطة القانونية الإقليمية المطلقة مسألة خلافية سياسيا في العلاقات الكندية بينالحكومية، ولكنها لم تتعرض إطلاقا للهزيمة أمام المحاكم فقد أصدرت المحاكم قرارها بأن الإنفاق الفدرالي ليس محصورا فقط بمجالات الصلاحيات التشريعية التي حددها الدستور، وبالتالي فقد استعملت الحكومات الفدرالية في كندا في كثير من الأحيان سلطاتها الانفاقية لتقدم منحاً لتدعم برامج للمقاطعات من اجل تشجيع هذه المقاطعات على إتباع الأولويات الفدرالية، وقد اشتكت حكومات المقاطعات من أن هذا الاستعمال من جانب واحد لسلطة الإنفاق الفدرالي تهدد حكمها الذاتي في مجالات حددها الدستور بصورة مطلقة لحكومات المقاطعات، ولكن هذا التقليد ليس محصورا بالفدرالية الكندية فقد حدث في العديد من المرات في الولايات المتحدة الأمريكية واستراليا منذ أزمة الركود الاقتصادي في الثلاثينات من القرن الماضي، وكثيرا ما كانت الحكومات الإقليمية في الأنظمة الفدرالية تقبل المساعدات الفدرالية، ولكن حيثما كانت هذه المساعدات تقدم على شكل منح مشروطة فان هذه الحكومات كانت تتذمر معتبرة المساعدات اعتداء على مجالات صلاحياتها القانونية المطلقة، وقد حصل هذا بشكل خاص حيثما كان الإنفاق الفدرالي على أمور ضمن السلطة الإقليمية يحدث بدون دعوة من جانب المقاطعات أو يحسب بدون خبر مسبق، وكانت قد أدت مثل هذه الإجراءات الخاصة بحسب المساعدات من جانب واحد في كل من كندا والولايات المتحدة الأمريكية إلى توجيه اتهامات من نوع ازاحه عبء المقاطعات وفدرالية على أساس (دبر شئونك بنفسك) وتجدر الملاحظة انه في بعض الفدراليات الأقدم مثل الولايات المتحدة وكندا واستراليا حيث كان استعمال سلطات الإنفاق العام الفدرالي منتشرا على نطاق واسع لايحدد الدستور صراحة سلطة إنفاق عام معينة، ومع ذلك فقد أقرت المحاكم في هذه الفدراليات وعلى درجات متفاوتة بأن سلطات فرض الضرائب وتخصيص المساعدات التي تتمتع بها الحكومة الفدرالية يمكن استعمالها للتأثير على مجال من النشاطات خارج الحدود الصارمة لسلطاتها التشريعية العادية، وقد جاء في الدستور الفدرالي الأكثر حداثة في كل من الهند وماليزيا وهما الدستوران اللذان صمما على ضوء التجربة العملية في الفدراليات الأسبق، اعتراف واضح بسلطة حكومتيهما الفدراليتين في مجال تقديم المنح لحكومات الولايات لأي غرض كان، سواء كان ذلك الغرض تحت سلطة الحكومة الفدرالية القانونية أم لم يكن .أما في تلك الأنظمة الفدرالية حيث يعين الدستور لحكومات الولايات مسئولية إدارية على جانب كبير من التشريع الفدرالي، فان الظاهرة الطبيعية والمألوفة هي تحويلات فدرالية ضخمة أما على هيئة أجزاء من عائدات الضرائب الفدرالية أو على هيئة منح مشروطة أو غير مشروطة .ث‌. مسالة عدم التوازن العمودي والأفقي لقد واجه كل نظام فدرالي تقريبا الحاجة لتصحيح نوعين من اللاتوازن المالي: اللاتوازنات العمودية تحدث عندما تعجز موارد الحكومة الفدرالية المحددة دستوريا عن مطابقة مسئوليات نفقاتها المحددة دستوريا أيضا، وتحدث هذه اللاتوازنات عادة لسببين: الأول أن التجربة أثبتت انه من الأفضل تخصيص سلطات فرض الضرائب الرئيسية للحكومة الفدرالية لان هذه السلطات مرتبطة ارتباطا وثيقا مع تنمية الوحدة الجمركية وبشكل أوسع مرتبطة أيضا مع وحدة اقتصادية فعالة، في حين أن بعض مسئوليات الإنفاق الأكثر كلفة مثل الصحة، والتعليم والخدمات الاجتماعية كانت عادة تعتبر من صلاحيات الحكومة الإقليمية لضمان أفضل إدارة لها، حيث يمكن الأخذ في الاعتبار بعض الظروف الإقليمية الخاصة، أن قراءة للجدولين 7 و 8 توضح الفوارق بين نسب مجموع (الحكومة الفدرالية – الولاية المحلية مجتمعة معا) العائدات ومجموع (الحكومة الفدرالية – الولاية المحلية مجتمعة معا) مسئوليات الإنفاق، لدى الحكومات الفدرالية في أنظمة فدرالية مختلفة، السبب الثاني للاتوازنات العمودية التي تعني انه مهما حرص مصمموا النظام الفدرالي الأصليون على محاولة المطابقة ما بين موارد العائدات ومسئوليات الإنفاق لكل مستوى من الحكم إلا انه وبمرور الزمن سوف تختلف أهمية كل من التغيرات الضريبية المختلفة (مثل ضريبة الدخل وضريبة الاستهلاك) وتكاليف النفقات بطرق لم يكن من الممكن التنبؤ بها، وبالتالي هناك حاجة لبناء مسارات داخل الفدرالية يمكن بواسطتها تصحيح حالات اللاتوازنات هذه من حين لآخر .تشكل اللاتوازنات الأفقية الشكل الثاني الذي يحتاج إلى تصحيح وتحدث اللاتوازنات الأفقية عندما تكون قدرات العائدات لدى الوحدات المختلفة المكونة للفدرالية مختلفة إلى حد يجعلها غير قادرة على أن تقدم الخدمات لمواطنيها على نفس المستوى انطلاقا من مستويات ضريبية مقارنة .جدول رقم(1)النسب المئوية لعائدات الحكومة الفدرالية من إجمالي عائدات الحكومات ( المحلية وحكومات الولايات والحكومة الفدرالية) قبل التحويلات البينحكومية.الدولة النسبة%جنوب افريقيا 95ماليزيا 90اسبانيا 83استراليا 73البرازيل 69استراليا 69الولايات المتحدة 67الهند 66ألمانيا 65كندا 44سويسرا 40المصدر : رونالد ل واتس الحكم الذاتي أو التبعية : العلاقات المالية البينحكومية في إحدى عشرة دولة (كينجستون : معهد العلاقات البينحكومية ، جامعة كويينز ) 2005.ملاحظة: حصص العائدات قبل تحويلات الضرائب الفدرالية إلى الحكومات المحلية والولايات الارقام المبينة مقربة إلى اقرب نسبة مئوية كما تم إجمالا ترتيب الدول في القائمة ترتيبا تنازليا من حيث المركزية وحسب المصدر فان تلك البيانات هي لعام 2000 أو 2001. وبالإضافة لحالات عدم التوازن الأفقي في العائدات فانه من الممكن أيضا أن يحدث عدم توازن بين المقاطعات في جانب النفقات بسبب الاختلافات في احتياجات الإنفاق للوحدات المختلفة المكونة للفدرالية بسبب الاختلافات في الخصائص الاجتماعية الديمغرافية لسكان هذه الوحدات مثل التوازع السكاني وظاهرة الانتقال إلى المدن والتكوين الاجتماعي وهيكل الأعمار وكلفة توفير الخدمات التي تتأثر بعوامل من مثل مدى الإدارة العامة والبيئة المادية والاقتصادية.الجدول رقم (2)النسبة المئوية لنفقات الحكومة الفدرالية من إجمالي نفقات الحكومات ( المحلية وحكومات الولايات والحكومة الفدرالية) بعد التحويلات البينحكوميةالدولة النسبةماليزيا 86 استراليا 69البرازيل 64الولايات المتحدة 54استراليا 54اسبانيا 51الهند 45ألمانيا 37كندا 37سويسرا 32المصدر : رونالد ل واتس الحكم الذاتي أو التبعية العلاقات المالية البينحكومية في إحدى عشرة دولة ( كينجستون معهد العلاقات البينحكومية جامعة كويينز) 2005. ملاحظة: حصص الإنفاق بعد تحويلات حصص الضرائب والمنح الفدرالية إلى حكومات الولايات والحكومات المحلية البيانات مقربة إلى اقرب نسبة مئوية كما تم ترتيب الدول بصورة إجمالية في القائمة ترتيبا تنازليا من حيث اللامركزية.ج‌. دورة التحويلات المالية تشتمل معظم الأنظمة الفدرالية على ترتيبات لتحويلات مالية من احد مستويات الحكم إلى آخر وذلك من اجل تصحيح هذه الحالات من اللاتوازن، وتتخذ هذه التعديلات عادة شكل تحويلات للحكومات الإقليمية، ذلك أن الحكومات الفدرالية على وجه العموم قد أصبحت تسيطر على مصادر الضرائب الأساسية، وكان الغرض من هذه التحويلات هو إزالة اللاتوازنات العمودية من خلال التحويلات على شكل نصيب من الضرائب أو منح كبيرة غير مشروطة أو منح مشروطة لأغراض محددة، وفي نفس الوقت أيضا إزالة اللاتوازنات الأفقية لمساعدة الوحدات الأشد فقرا في الفدرالية، ويقدم الجدول 9 تعبيرا عن أهمية هذه التحويلات كجزء من العائدات الإجمالية للمقاطعة أو الولاية ودرجة اعتماد المقاطعة أو الولاية الناجمة على هذه التحويلات. الجدول رقم (3)النسبة المئوية للتحويلات البينحكومية من عائدات المقاطعات أو الولاياتالدولة النسبةاسبانيا 73 الهند 46استراليا 45النمسا 44ألمانيا 44الولايات المتحدة 30سويسرا 25كندا 20ماليزيا 18المصدر : رونالد ل واتس الحكم الذاتي أو التبعية العلاقات المالية البينحكومية في إحدى عشرة دولة ( كينجستون معهد العلاقات البينحكومية جامعة كويينز) 2005. ح‌. تحويلات مشروطة أو غير مشروطة يتأثر مدى الاتكالية في المقاطعة أو الولاية على الحكومة الفدرالية بما إذا كانت التحويلات مشروطة أو غير مشروطة أكثر من تأثره بنسبه هذه التحويلات من إيرادات المقاطعة أو الولاية، ومن الممكن أن تكون التحويلات الفدرالية للوحدات الإقليمية مرتبطة ببعض الشروط وذلك لكي يمكن للحكومة الفدرالية أن تمارس تأثيرا على الطريقة التي يتم فيها إنفاق هذه التحويلات، ولكن هذا التحكم الذهبي، كما يشار إليه في ألمانيا، قد يؤدي أيضا إلى أضعاف سلطة الحكم الذاتي لدى الوحدات الإقليمية من الحكومة، خاصة إذا كانت التحويلات المشروطة تشكل نسبة عالية من التحويلات الإجمالية، وبالتالي تشكل نسبة عالية من مجموع إيرادات المقاطعة أو الولاية ومن الممكن لتجنب هذا الأمر أن تتخذ التحويلات هيئة تحويلات غير مشروطة (أما نسبة معينة من إيرادات بعض الضرائب الفدرالية كما يحدث في العديد من الفدراليات الأكثر حداثة أو مبلغ محدد من المنح غير المشروطة) ومن الواضح أن هناك اختلافات كبيرة بين الأنظمة الفدرالية بالنسبة لمدى الشروط أو عدمها المفروضة على التحويلات الفدرالية على الرغم من أن الإحصائيات المقارنة بالتحديد يصعب الحصول عليها، أن الجدول 10 الذي يتضمن التحويلات المشروطة ونسبتها من التحويلات الفدرالية يظهر بوضوح أن نسبة التحويلات المشروطة تصل أعلى مستوى لها في الولايات المتحدة (نسبة 100 %) ثم تنخفض إلى 66 % في مجتمعات الحكم الذاتي في اسبانيا، 47 % في استراليا، و41 % في الهند، ويعتمد الرقم المماثل في كندا على ما إذا كانت التحويلات من برنامج التمويل القائم program financing – EPF established الذي تحول الآن ليصبح برنامج التحويلات الكندية للخدمات الاجتماعية والصحة and social transfer The Canadian healthوهي على الأغلب تحويلات شبه مشروطة يمكن اعتبارها مشروطة أو غير مشروطة، فإذا تم تصنيف هذه التحويلات على أنها مشروطة يكون الرقم الكندي المقارن الخاص بنسبة التحويلات المشروطة 44 % ولكن إذا تم تصنيفها على أنها غير مشروطة تكون نسبتها 4% فقط .الجدول رقم 4النسبة المئوية للتحويلات المشروطة من التحولات الفدراليةالدولة النسبةالولايات المتحدة 100سويسرا 73ماليزيا 68اسبانيا 66ألمانيا 65استراليا 47كندا 44الهند 41البرازيل 25جنوب افريقيا 12المصدر : رونالد ل واتس الحكم الذاتي أو التبعية العلاقات المالية البينحكومية في إحدى عشرة دولة ( كينجستون معهد العلاقات البينحكومية جامعة كويينز) 2005. أن النسبة التي تشكلها التحويلات الفدرالية المشروطة من مجموع إيرادات المقاطعة أو الولاية تعطينا مقياسا واحدا هاما للقيود المفروضة على الحكم الذاتي في المقاطعة أو الولاية وكما يبين الجدول 11 تشكل التحويلات المشروطة في غالبية الأنظمة الفدرالية ما بين 10 – 30 % من مجموع إيرادات المقاطعة أو الولاية .تتوفر الحجج المقنعة تأييدا لكل من هذين النمطين من التحويلات وثمة تبرير يبدو انه يسيطر على النقاش حول هذا الموضوع في الولايات المتحدة بالذات ويعتمد هذا التبرير على مبدأ المسئولية المالية والمحاسبة، أي أن الحكومة الفدرالية التي تقوم بالمهمة الوسخة المتعلقة بجمع الأموال عن طريق فرض الضرائب يتوجب عليها، حفظا على مبدأ المحاسبة من جانب دافع الضرائب الأمريكي، أن تضبط سبل استعمال هذه الأموال من جانب حكومات الولاية وتضع لها الشروط، ولهذا فقد سادت المنح المشروطة في العقود الأخيرة التحويلات الفدرالية في الولايات المتحدة الأمريكية .الجدول رقم 5النسبة المئوية للمنح الفدرالية المشروطة من إجمالي عائدات حكومات المقاطعات الولاياتالدولة النسبةاسبانيا 42الولايات المتحدة 30استراليا 21الهند 19سويسرا 17كندا 16ماليزيا 12جنوب افريقيا 11ألمانيا 10البرازيل 8المصدر : رونالد ل واتس الحكم الذاتي أو التبعية العلاقات المالية البينحكومية في إحدى عشرة دولة ( كينجستون معهد العلاقات البينحكومية جامعة كويينز) 2005. ولكن يقابل هذا التبرير الموقف القلق الذي لفت الانتباه أكثر في بعض الأنظمة الفدرالية والقائل بان المنح المشروطة من شانها أن تهدد الحكم الذاتي للوحدات الحكومية الإقليمية وذلك عن طريق حثها على القيام بنفقات لا تتماشى بالضرورة مع أولويات هذه الوحدات، وهناك أيضا الرأي القائل في تلك الأنظمة الفدرالية حيث يوجد في الوحدات الإقليمية من الحكم مسئولون تنفيذيون برلمانيون خاضعون لمحاسبة مجالسهم التشريعية، بان هذه الحكومات يمكنها أن تكون مسئوله عن استعمال التحويلات غير المشروطة من خلال محاسبتها من جانب مجالسها التشريعية، وبالتالي الناخبين فيها ومسئوليتها أمام هذه المجالس والناخبين، وقد أدت هذه التبريرات في معظم الأنظمة الفدرالية البرلمانية إلى اعتماد اقل بكثير على التحويلات المشروطة مقابل نسبة عالية من التحويلات غير المشروطة مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية .خ‌. تحويلات التعادل تكمن أهمية تحويلات التعادل في الرأي القائل بان جميع المواطنين داخل الاتحاد الفدرالي يجب أن يكون لهم الحق في الحصول على خدمات مقارنة بدون الحاجة للخضوع إلى معدلات ضريبة شديدة الاختلاف، لقد نشأت الحاجة إلى هذا النوع من التحويلات في معظم الأنظمة الفدرالية من الإدراك بان الفروقات في الثروة بين المناطق المختلفة داخل الاتحاد الفدرالي من شانها غالبا أن تؤدي إلى تآكل التماسك بين أطراف الفدرالية، وكان هذا هو السبب بالتأكيد وراء إطلاق اسم التحويلات التضامنية على تحويلات التعادل في معظم الفدراليات الأوروبية. لقد اختلفت الترتيبات لتحويلات التعادل من نظام فدرالي إلى آخر وقد وردت هذه الترتيبات بشكل مختصر في الجدول 12 وتجدر الإشارة إلى عدد من النقاط:أولا. يختلف حجم تحويلات التعادل اختلافا كبيرا، أن معظم الأنظمة الفدرالية باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية لديها مخططات معينة لتحويلات التعادل، ولكن نطاق هذه التحويلات كان في بعضها مثل ألمانيا وكندا واستراليا اكبر من بعضها الآخر مثل سويسرا .ثانيا. يتم تحقيق التعادل في جميع الفدراليات باستثناء ألمانيا من خلال إعادة التوزيع بين وحدات الحكم الإقليمية وذلك من خلال التحويلات الفدرالية إلى الوحدات الإقليمية الأشد فقرا، وتعتبر ألمانيا حالة متميزة وذلك بتزويدها التحويلات بين الولايات بحكم الدستور من اجل تغطية جانب ملحوظ مخصص لتصحيح اللاتوازن الأفقي، لقد كانت تلك هي الطريقة الوحيدة المتبعة للتعادل في ذلك النظام الفدرالي، ولكن فيما بعد شكلت التحويلات الفدرالية على هيئة دفعات إضافية للفرد الواحد مستمدة من ضريبة القيمة المضافة (value added tax) فرصة إضافة كبيرة لإعادة التوزيع بهدف التعادل. ثالثا. تركزت الجهود أساسا في كندا من اجل تصحيح اللاتوازنات الأفقية من خلال دفعات التعادل الفدرالية على تصحيح الفوارق في قدرات المقاطعات على تحقيق الإيرادات، وعلى الرغم من أن هذا الأسلوب التقليدي المتبع في العديد من الأنظمة الفدرالية، إلا أن بعضها وخاصة استراليا شهدت أيضا جهودا ملحوظة لتحمل مسئولية تعديل اللاتوازن في الإنفاق أيضا. رابعا. يختلف الشكل الذي تتخذه التحويلات للوحدات الإقليمية من الحكم، فهناك التحويلات القائمة على أساس معادلة متفق عليها كما هو الحال في سويسرا وكندا وألمانيا والنمسا وماليزيا وبلجيكيا واسبانيا، على الرغم من انه في بعض هذه الحالات تسيطر الحكومة الفدرالية على مسار التوصل لاتفاق، وفي فدراليات أخرى وخاصة استراليا والهند كانت المخصصات تستند أساسا على توصيات لجان مستقلة دائمة أو فصلية والتي بدورها تستعمل مجموعة متنوعة من الصيغ بهدف الوصول إلى توصياتها. خامسا. ربما تكون هناك علاقة في بعض الظروف بين درجة اللامركزية في إحدى الأنظمة الفدرالية والحاجة إلى ترتيبات للتعادل الولايات في مجال قدرات الإيرادات والحاجة للإنفاق كلما ازدادت إمكانية الحاجة لآليات تعادل لتعزيز التوازن الأفقي.سادسا. يبدو أن الفدراليات المختلفة تتنوع أيضا فيما يتعلق بقدرة مواطنيها على التسامح تجاه اللاتوازن الأفقي، مثلا في استراليا التي تقوم على مبدأ المساواة بين الجميع والتي تنعم بفوارق متواضعة نسبيا بين الولايات في مجال القدرة على تحقيق الإيرادات تبذل الدولة جهودا بعيدة المدى من اجل تحقيق التعادل الكامل في مجالي الإيرادات والنفقات على حد سواء، كما توفر ألمانيا تقريبا تعادلا تاما على الأقل في جانب الإيرادات، وتبدو الولايات المتحدة الأمريكية حيث توجد فوارق كبيرة نسبيا بين الولايات، ولكن مع غياب أي نظام رسمي للتعادل بأنها تتسامح إلى حد اكبر بكثير مع اللاتوازنات الأفقية، وتقع كندا في مكان ما بين هذين النقيضين فهي تملك برنامج تعادل بالغ الحجم يتمكن من تقديم تعادل جزئي فقط بسبب الفوارق الكبيرة بشكل خاص بين المقاطعات في مجال القدرة على جمع الإيرادات، أن احد العوامل التي تؤثر على الاختلافات في مجال التسامح تجاه حالات اللاتوازن الأفقي في الأنظمة الفدرالية المختلفة هو القيمة النسبية الممنوحة لمبدأ الإنصاف والعدالة في مقابل الحكم الذاتي للمقاطعات وعدم المركزية. د‌. مسارات ومؤسسات لتعديل الترتيبات الماليةلقد وجدت الأنظمة الفيدرالية انه من الضروري وضع وإقامة مسارات لتسهيل التعامل بشكل منتظم مع اللاتوازنات الأفقية والعمودية، ذلك انه وكما لاحظنا من قبل تغير قيم مصادر الإيرادات ومسؤوليات الإنفاق على مر الزمن، ويلخص الجدول 13 تلك المجالات التي شهدت صراعات على هذه القضايا في مختلف الفيدراليات، وتجدر الإشارة إلى انه في تلك الأنظمة الفيدرالية التي تتميز بالفصل بين السلطات القضائية والتشريعية ضمن كل مستوى من مستويات الحكم مثل الولايات المتحدة فأن حلبة الصراع الأساسية هي الهيئة التشريعية، أما في الأنظمة الفيدرالية الأخرى التي تتميز بسلطات تنفيذيه برلمانية مدمجة فأن حلبة الصراع الأساسية هي دائما الفيدرالية التنفيذية، أي المفاوضات بين المسؤولين التنفيذيين الذين يمثلون الوحدات الفيدرالية والإقليمية في الحكم.يمكن ملاحظة أنماط مميزة فيما يتعلق بالمسارات الخاصة بتعديل قضايا المالية الفيدرالية، ففي الهند واستراليا قامت الحكومة الفيدرالية بتأسيس لجان خبراء بأشكال مختلفة فعهدت إليهم المهمة الأساسية المتعلقة بتحديد صيغ التوزيع.هذه الصيغة في استراليا هي لجنة دائمة بينما في الهند لمدة 5 سنوات وتقام بشرط دستوري، وتجتمع هذه اللجان بطروحات من جانب حكومات الولايات وترفع تقاريرها إلى الحكومة الفيدرالية التي تتبع عادةً توصياتهم، كما تتبع جنوب افريقيا من خلال لجنة المالية والموارد والضرائب هذا النمط العام، ولكن اللجنة المالية المركزية عمليا كانت في كثير من الأحيان تخالف توصياتها، الأمر الذي يؤدي إلى أضعاف قيمتها كسلطة مستقلة، أما النمط الثاني فهو وجود تدابير احتياطية دستورية من اجل إقامة مجلس بينحكومي يتألف من ممثلين عن الحكومة الفيدرالية وحكومات المقاطعات، والمثال على ذلك هو المجلس المالي الوطني في ماليزيا، والنمط الثالث تمثله ألمانيا والنمسا وسويسرا وبلجيكا والولايات المتحدة، حيث تحدد الحكومة الفيدرالية المنح للولايات ولكن مع وجود ممثلين رسميين عن الولايات في الهيأة التشريعية الفيدرالية، فان ممثلي الولايات يشاركون في عملية إقرار المنح (على الرغم من اختلاف الترتيبات في هذه الفيدراليات)، النمط الرابع موجود في كندا حيث تخضع عملية تقرير صيغة التعادل وبرامج التحويل الضريبية الأخرى والاتفاقات الضريبية لسيطرة الحكومة الفيدرالية التي تتضمن هيئتها التشريعية أي تدابير احتياطية لتمثيل رسمي من جانب حكومات المقاطعات، وعلى الرغم من ذلك ونظراً لأهمية هذه القضايا فقد كانت العلاقات المالية الفيدرالية الإقليمية موضوعاً للمناقشات المطولة في عدد لايُحصى من اللجان التي ضمت مسؤولين من الحكومة الفيدرالية والمقاطعات، كما كانت مصدر للكثير من الجدل العلني بين الحومة الفيدرالية وحكومات المقاطعات.لقد نشأت وتطورت في جميع الأنظمة الفيدرالية تقريبا ولكن بشكل خاص استراليا والهند وماليزيا وألمانيا وكندا، مجموعة متنوعة من المجالس واللجان واللجان المنتدبة بين الحكومة من اجل تسهيل عملية تعديل الترتيبات المالية، وقد ذهبت استراليا إلى المدى الأبعد بين هذه الدول في تطوير هذه الهيئات من خلال ثلاث مؤسسات بينحكومية جديرة بالذكر هنا، مجلس رؤساء الوزارات الذي يلعب دوراً هاماً في المداولات بشأن التحويلات، ولكن الهيأة لم تتأسس دستورياً، ومجلس القروض الذي ينسق عملية الاقتراض للحكومة الفيدرالية والولايات والذي تم تأسيسه بتعديل دستوري عام 1927 ويستطيع اتخاذ قرارات ملزمة على المستويين الحكوميين، ولجنة الكومنولث الخاصة بالمنح وهي هيئة دائمة قامت منذ 1933 لتقديم النصح للحكومة الفيدرالية الاسترالية بشان تحويلات التعادل، وفي ألمانيا وبسبب الصفة المميزة للمجلس التشريعي الفيدرالي الثاني BUNDESRAT الذي يتألف من مندوبين من السلطة التنفيذية في المقاطعات LAND فقد لعب هذا المجلس ولجانه المختلفة دوراً رئيسيا في المداولات بين الحكومية المتعلقة بتعديل الترتيبات المالية، وفي أنظمة فيدرالية أخرى بما في ذلك سويسرا وبلجيكا فقد قامت لجان دورية من حين لآخر بتقديم النصح والمشورة للحكومات بشأن تعديل الترتيبات المالية بين الحكومية.o النهج الذي تبعة الدستور العراقي الجديد بما يخص توزيع الثروات :دخل الدستور العراقي الفيدرالي، الذي صوت عليه الشعب العراقي 15/ تشرين الأول/ 2005 حيز التنفيذ في 20/5/2006 وهو تاريخ تشكيل أول حكومة عراقية دائمة بعد إسقاط النظام البائد، لولاية توازي ولاية مجلس النواب العراقي، وبدخول هذا الدستور حيز التنفيذ تكون أحكامه واجبة التنفيذ أيضا، ونحن في هذه الورقة نحاول إلقاء الضوء على أحكام هذا الدستور بخصوص الثروات الطبيعية بشكل عام، والنفط والغاز على وجه الخصوص وهنا لا بد من الإشارة إلى النهج الذي اتبعه هذا الدستور في توزيع السلطات والثروات بين الحكومة الاتحادية (الفيدرالية) من جهة وبين الفدراليات (حكومات الأقاليم) والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، من جهة أخرى، بناء عليه، سنقسم هذا الجزء إلى النقاط الآتية:أ.النهج المتبع في توزيع السلطات في هذا الدستور.ب.كيفية توزيع الثروات الطبيعية بين المركز والأقاليم في هذا الدستور.ت.كيفية معالجة موضوع النفط والغاز في هذا الدستور.أ. النهج المتبع في توزيع السلطات في الدستور العراقي الفيدرالي: من المعلوم أن الدساتير الفيدرالية اتبعت طرق مختلفة في توزيع السلطات بين المركز (الحكومة الاتحادية) والحكومات الإقليمية (الفيدراليات) فمن تلك الدساتير ما نصت على سلطات وصلاحيات الإقليم بشكل حصري وما تبقى من تلك السلطات تكون للحكومة الفيدرالية (المركز) ومثالها: بلجيكا، واسبانيا.ومنها على العكس من ذلك ما نصت على السلطات الحصرية (الخالصة) للحكومة الفيدرالية وما تبقى منها تعود للأقاليم أو الولايات، ومثالها: الولايات المتحدة، سويسرا، استراليا النمسا وألمانيا.ومنها ما نصت على كل من سلطات الحكومة الفيدرالية الخالصة والسلطات الإقليمية (الأقاليم) الخالصة والسلطات المشتركة مثالها كندا، الهند.ولعل الدستور العراقي من الدساتير التي سلكت منهجا مبنيا على تحديد السلطات الحصرية للحكومة الفيدرالية وهي المذكورة في الفقرات التسع من المادة (110) وفي الوقت نفسه نصت على اختصاصات مشتركة، وهي المذكورة في الفقرات السبع من المادة (114) وتطرق إلى صلاحيات وسلطات أخرى في المواد (111 و112 و113) دون أن يصنفها ضمن السلطات الحصرية للحكومة الاتحادية ودون أن يصنفها صراحة ضمن السلطات المشتركة أيضا، مما يستدعى الوقوف عندها لتحليلها واستنتاج تكييف لها استنادا للقواعد والأسس التي تحكم تفسير الدستور والقانون، وسنعالج هذه المشكلة في موضعها.كما نص الدستور العراقي في المادة (115) على أن كل ما لم ينص عليه في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية يكون من صلاحية الاقاليم والمحافظات. ب. كيفية توزيع الثروات الطبيعية بين الحكومة الاتحادية (المركز) والأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم في الدستور العراقي الفيدرالي:يختلف حكم الدستور العراقي الفيدرالي بخصوص الثروات الطبيعية المختلفة، وسنعالج هنا حكم جميع المعادن عدا الغاز والنفط حيث نفرد لهما موضوعا منفردا لأهميتهما.• المعادن الأخرى غير النفط والغاز:نصت المادة (115) من هذا الدستور على أن (كل ما لم ينص عليه في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية يكون من صلاحية الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم ...... الخ) وذلك يعني أن الثروات الطبيعية باستثناء النفط والغاز كالحديد والزنك والنحاس والذهب والماس والفحم الحجري واليورانيوم والحجر والمرمر وغيرها من المعادن، هي من اختصاص حكومات الأقاليم حصرا لأنه لم يرد لها ذكر في المادة (110) الخاصة بتحديد الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية ولا في المادة (114) الخاصة بالاختصاصات المشتركة بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الأقاليم.بناء عليه تملك حكومات الأقاليم حق استثمار هذه المعادن والبحث عنها واستخراجها وإدارتها وبيعها وتصديرها أو استخدامها في الصناعات المحلية أي أنها تملك حق التصرف بها بكل أنواع التصرفات المادية والقانونية لاستثمارها على الوجه الذي تراه مناسبا لايشاركها فيها احد.• المياه:والمياه أيضا تعتبر ثروة طبيعية هامة، بل ربما ستفوق أهميتها، في العشرين سنة القادمة، أهمية النفط والغاز وقد ورد ذكرها في كل من الفقرة ثامنا من المادة (110) الخاصة بالاختصاصات الحصرية والفقرة سابعا من المادة (114) الخاصة بالاختصاصات المشتركة مما يستدعي الوقوف عندهما لمعرفة موقف هذا الدستور من مسألة المياه كثروة طبيعية.? نصت الفقرة (ثامنا) من المادة (110) على مايلي:(تخطيط السياسات المتعلقة بمصادر المياه من خارج العراق وضمان مناسيب تدفق المياه إليه وتوزيعها العادل داخل العراق وفقا للقوانين والأعراف الدولية) وهذه المادة هي المادة الوحيدة التي حددت الاختصاصات الحصرية للحكومة الاتحادية كما سبق لنا بيانه.ومن تلك الفقرة نستنتج أن ما يدخل ضمن الاختصاصات الحصرية للحكومة الاتحادية فيما يخص المياه مقتصر على تخطيط السياسات فقط، وليس تنفيذها هذا من جهة، ومن جهة أخرى فان هذا التخطيط للسياسة هو ما يتعلق بمصادر المياه من خارج العراق لضمان مناسيب المياه وتوزيعها العادل داخل العراق، وذلك وفقا للقوانين والأعراف الدولية، وهذه العبارة الأخيرة تساعدنا كثيرا في تحليل وفهم معنى ومغزى هذه المادة، ونستنتج منها أن الأمر يتعلق بالأنهار الدولية التي تدخل الحدود العراقية وضرورة الحفاظ على حقوق العراق فيها واتخاذ ما يلزم لضمان تدفق المياه إليها بشكل يتناسب مع حقوق العراق في تلك المياه وفقا للاتفاقيات التي تربط العراق بالدول التي تتدفق منها المياه إلى العراق.? نصت الفقرة (سابعا) من المادة (114) الخاصة بالاختصاصات المشتركة على ما يلي:“رسم سياسة الموارد المائية الداخلية وتنظيمها بما يضمن توزيعها توزيعا عادلا وينظم ذلك بقانون” وتأتي هذه الفقرة ضمن المادة (114) الخاصة بالاختصاصات المشتركة بين السلطات الاتحادية وسلطات الأقاليم، وهذا يعني أنها خارج عن الاختصاصات الحصرية للحكومة الاتحادية ولكنها أيضا ليست من الاختصاصات المتروكة للأقاليم على وجه الانفراد.وهنا نورد الملاحظات الآتية:? تتعلق هذه الفقرة برسم سياسة الموارد المائية الداخلية وتنظيمها بهدف التوزيع العادل وذلك يشمل السدود والخزانات المائية ومشاريع الري داخل الدولة العراقية وشق الجداول والترع والمشاريع الاروائية.? كونها من الاختصاصات المشتركة يعني وجوب التعاون والتنسيق والتشاور واتخاذ القرار مشتركا بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم بصدد رسم وتنظيم سياساتها.? كونها من الاختصاصات المشتركة يشملها الحكم الذي ورد في عجز المادة (115) ونصه مايلي: (تكون الأولوية فيها لقانون الإقليم، والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، في حالة الخلاف بينهما)، أي بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم.وخلاصة القول أن الكلمة العليا في رسم وتنظيم سياسة الموارد المائية الداخلية تكون لحكومة الإقليم لأنه عند تعارض قانون يسنه الإقليم مع حكم قانون اتحادي بصدد رسم سياسة وتنظيم المياه الداخلية تكون الأولوية لقانون الإقليم.ت. كيفية معالجة موضوع النفط والغاز في هذا الدستور:افرد الدستور العراقي مادتين لمعالجة موضوع النفط والغاز، هما المادة (111) التي نصت على أن”النفط والغاز هما ملك لكل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات”، والمادة (112) التي نصت على:أولا: تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة، على أن توزع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع أنحاء البلاد، مع تحديد حصة لمدة محددة للأقاليم المتضررة والتي حرمت منها بصورة مجحفة من قبل النظام السابق والتي تضررت بعد ذلك، بما يؤمن التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من البلاد وينظم ذلك بقانون.ثانيا: تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة معا برسم السياسات الإستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز، بما يحقق أعلى منفعة للشعب العراقي، معتمدة احدث تقنيات مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار. ? الحقول المستقبلية:أول ما يلاحظ على هاتين المادتين أنهما لم تتطرقا إلى الحقول المستقبلية، وهذا يعني أن تلك الحقول ستكون من اختصاص حكومات الأقاليم التي تتواجد فيها على وجه الانفراد، ولا تشاركها فيها الحكومة الاتحادية، ولا يشملها القيد الوارد في الفقرة أولا من المادة (112) بخصوص التوزيع المنصف لوارداتها يتناسب مع التوزيع السكاني... الخ، لان ذلك القيد بصريح عبارة الفقرة المذكورة من المادة (112) مقصورة على الحقول الحالية ولان المادة (115) نصت على أن ما لم ينص عليه ضمن السلطات الحصرية للحكومة الاتحادية يكون من صلاحية الأقاليم والمحافظات.? المادة (111) ملكية الغاز والنفط:أوردت هذه المادة عبارة عامة تفيد بان النفط والغاز ملك لكل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات، فلابد من تفسير المقصود بالمادة (111) وبيان علاقتها بالمادة التالية لها بفقرتيها الأولى والثانية، إذ أقرت هذه المادة بملكية كل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات للنفط والغاز، هنا نورد الملاحظات الآتية:أولا: لم تقل هذه المادة بان النفط والغاز ملك للدولة العراقية بل جعلتهما ملكا للشعب العراقي، وفي ذلك دلالة خاصة تخرجهما من كونهما من الأملاك الحكومية للدولة الاتحادية.ثانيا: يتنازع تفسير هذه المادة احتمالان:الأول. أن كل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات مالك لكل النفط والغاز الموجود في كل الأقاليم والمحافظات على وجه الشيوع.الثاني. أن شعب كل إقليم أو محافظة يملك النفط والغاز الموجودة في إقليمه أو محافظته وبهذا يختص هؤلاء بما هو موجود في أقاليمهم أو محافظاتهم.ثالثا: وهنا فأن الاحتمال الأول هو المرجح، لأنه لا اجتهاد في مورد النص، ولكن لابد لنا من تحليل مفهوم الملكية هنا، فهل المقصود بها هي الملكية كما هي معروفة في القانون الخاص كونها سلطة مباشرة للمالك على المملوك يباشرها بعناصرها الثلاث هما: الاستعمال والاستغلال والتصرف؟ أم أن المقصود بذلك هو التأكيد على وجوب وضع ثروتي النفط والغاز في خدمة الشعب العراقي وتخصيص وارداتهما لمصلحته ولازدهاره وتقدمه، لا أن تكون كما كانت في زمن النظام السابق بيد فئة قليلة تتصرف بها لمصلحتها ولتحقيق مآربها الخاصة وتبددها كما تشاء؟ لقد جاء النص كرد فعل على الوضع السائد في ظل الأنظمة البائدة وعلى سياساتها الطائشة.ويدعم هذا التفسير ما ورد في الفقرة (أولا) من المادة (112) من تأكيد على توزيع الواردات بإنصاف واخذ التوزيع السكاني بنظر الاعتبار وكذلك المحرومية السابقة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فان من قواعد التفسير أن يحمل الكلام على الوجه الذي يكون له معنى لأنه عمليا يتعذر أن يقوم الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات بممارسة عناصر الملكية في كل تلك المناطق المختلفة، مما يعني أن شعب الإقليم أو شعب المحافظة هما اللذان يقومان بممارسة حقوق الملكية داخل الإقليم أو المحافظة بالنسبة للنفط والغاز، وبذلك نقترب من المعنى المقصود في الاحتمال الثاني المذكور في (ب) أعلاه، وخلاصة القول أن المادة (111) ذات مدلول أو مغزى سياسي أكثر من كونها ذات مدلول قانوني معين.? الحقول الحالية:إذا انتهينا من ذلك الجدل الفقهي حول تفسير مدلول المادة (111) ننتقل إلى موضوع الحقول الحالية المنصوص عليها في الفقرة (أولا) من المادة (112) فهذه المادة نصت على قيام الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة، وأول سؤال يطرح نفسه هنا هو: ما هو المقصود بالحقول الحالية؟ في مؤتمر البحر الميت، الذي نظمته الأمم المتحدة في الشهر الرابع من هذا العام حول النفط والغاز في الدستور العراقي، حاول عدد من خبراء النفط العراقيين السابقين تفسيرها بأنها تشمل كل حقل مكتشف حتى وان لم يجر استخراج النفط والغاز منه أي استثماره فعلا حاليا، لكن النص الدستوري الذي يقول:”تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الأقاليم...الخ” يرجح القول بان مفهوم الحقول الحالية يقتصر على تلك الحقول التي كان يستخرج منها النفط والغاز فعلا (أي الحقول المستثمرة) عند وضع النص، فالنص يقول بإدارة النفط والغاز المستخرج وهذا ليس متحققا في الحقول المستكشفة التي لم يجر استثمارها فعلا.والملاحظة الثانية على ما ورد بالفقرة (أولا) من المادة (112) أنها نصت على الاشتراك في الإدارة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الإقليم والمحافظات المنتجة للنفط والغاز، وهذا يعني أن ليس للحكومة الاتحادية الانفراد بهذه الإدارة ولابد من إشراك حكومة الأقاليم المنتج أو المحافظة المنتجة في إدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية، وبعبارة أخرى على الحكومة الاتحادية العراقية بموجب هذا النص (على سبيل المثال) إشراك مجلس محافظة كركوك في إدارة الحقول المنتجة في حدود محافظة كركوك الآن، وإذا عادت كركوك إلى إقليم كردستان فعلى الحكومة الاتحادية إشراك حكومة كردستان في إدارتها مع ملاحظة ما سيأتي بخصوص كون هذه السلطة من الاختصاصات المشتركة بين الأقاليم والحكومة الاتحادية، وإنها محكومة بما ورد في عجز المادة (115) من الدستور بخصوص توزيع موارد الحقول الحالية، إذ ألزمت الفقرة (أولا) من المادة (112) بتوزيع الواردات المتحققة من الحقول الحالية بشكل منصف مع الأخذ بنظر الاعتبار المعايير الآتية:التناسب مع التوزيع السكاني.درجة التضرر والمحرومية بصورة مجحفة من قبل النظام السابق، وأضيف إلى النص، فيما بعد، عبارة (والتي تضررت بعد ذلك) في إشارة إلى المناطق السنية والنجف التي تضررت بعد سقوط النظام.تامين التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من البلاد.وأضافت بان ذلك ينظم بقانون، وهذه المعايير واجبة المراعاة في ذلك القانون.? رسم السياسات الإستراتيجية:نصت الفقرة الثانية من المادة (112) على قيام الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة معا برسم السياسات الإستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز، وربطت ذلك بهدف تحقيق أعلى منفعة للشعب العراقي من جهة، واعتماد احدث تقنيات مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار، من جهة أخرى.وهذه الفقرة قاطعة الدلالة في وجوب الاشتراك الفعال وعلى قدم المساواة وكأنداد في رسم تلك السياسة بين حكومة الاتحاد وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة، لان كلمة (معا)، قاطعة الدلالة في معناها ولا تحتاج لتفسير.? إشكالية تكييف السلطات والمهام الواردة في المادتين (111) و(112):السؤال المطروح هو بخصوص تكييف ما ورد في المادتين أعلاه فهل إنهما ضمن السلطات الحصرية للحكومة الاتحادية أم إنهما خارج تلك السلطات الحصرية؟ وإذا لم تكن ضمنها، فهل هي من السلطات والصلاحيات المشتركة بين الاتحاد والأقاليم؟في الجواب عن هذين السؤالين نقول أن المادة (110) بفقراتها التسع حددت حصرا السلطات الحصرية للحكومة الاتحادية في ما ورد في تلك الفقرات التسع، وكونها سلطات حصرية، فلا مجال لإضافة سلطة أخرى إليها إلا بتعديل دستوري، وإذا قيل إنهما من السلطات المشتركة بين الاتحاد والأقاليم، فربما كان ذلك محل جدل حيث لم ترد ضمن المادة (114) التي عددت السلطات المشتركة بين الاتحاد والأقاليم في فقراتها السبع، لذلك فالجدل الفقهي يدور حول تكييف ما ورد بالمادتين (111 و112) بخصوص النفط والغاز، ونرى صعوبة تكييفها على وجه يدخلهما ضمن السلطات الحصرية للحكومة الاتحادية للسبب الذي ذكرناه سابقا، كما لا يمكن اعتبارهما من السلطات المتروكة للأقاليم والمحافظات على وجه الانفراد لان المادة (111) الخاصة بملكية النفط والغاز لم تشر لا من قريب ولا من بعيد إلى الحكومة الاتحادية ولا إلى حكومات الأقاليم، بل أشارت إلى الشعب العراقي في الأقاليم والمحافظات.ولان المادة (112) بفقرتيها أشارت إلى اشتراك الحكومتين (الاتحاد والأقاليم) في ممارسة السلطات المنصوص عليها فيهما معا، مما يجعلها موضوعيا من ضمن الاختصاصات المشتركة، بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم، لأنها، إذا تركنا الجانب الشكلي الذي لا يصلح لترجيح أي من الاحتمالين أي التصنيف ضمن الاختصاصات الحصرية أو ضمن الاختصاصات المشتركة، فانه من الناحية الموضوعية يستنتج من عبارات المادة (112) أن السلطات المذكورة فيها هي من الاختصاصات المشتركة، كونها تشركهما (أي الطرفين) ولا تفرد احدهما بممارسة تلك الاختصاصات، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فان عبارة المادة (114) صيغت بشكل يسمح بإدخال اختصاصات أخرى غير مذكورة في فقرات تلك المادة ضمن الاختصاصات المشتركة، حيث يفهم ضمنا من عبارة (تكون الاختصاصات الآتية مشتركة بين السلطات الاتحادية وسلطات الأقاليم)، أنها أوردت تلك الاختصاصات على سبيل المثال وليس الحصر.لان عبارة (تكون الاختصاصات الآتية... الخ) لا تمنع من وجود اختصاصات مشتركة أخرى غير تلك المذكورة في الفقرات السبع للمادة (114) وإذا صح التعبير فان المادتين (111و112) تكونان محكومتين بما ورد في عجز المادة (115) من كون الأولوية فيها لقانون الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم في حالة الخلاف بينه وبين قانون الاتحاد.8.الخاتمة? يمكن التأكد من بلوغ هدف التوزيع العادل للثروات في النظام الفيدرالي من خلال إتباع معايير اقتصادية وعلمية في تحديد مستوى الحياة المعيشية والخدمات، إذ تقوم المؤسسات الاقتصادية والمالية بقياس معدل النمو الاقتصادي ونسبة البطالة ومعدل دخل الفرد والقدرة الشرائية في كل محافظة، ويجري اتخاذ الخطوات اللازمة لزيادة أو تقليص هذه المعدلات وفق خطط مرسومة، وعندما تتساوى هذه النسب يمكن إيقاف برامج الأعمار المقترحة ومن ثم البدء بتوزيع الثروات على أسس جديدة يتم فيها الأخذ بنظر الاعتبار عاملين أساسيين أولهما مكان وجود هذه الثروات والإضرار البيئية التي تسببها جراء استخراجها.? أن الدستور العراقي الفيدرالي انتهج منهج تحديد السلطات الحصرية للاتحاد وما تبقى تكون للأقاليم مع تصنيف الأمور والسلطات المشتركة بين الطرفين، التي تكون، عند التنازع بشأنها بين الاتحاد والإقليم، الكلمة الفصل للإقليم استنادا إلى عجز المادة (115).? أن جميع مصادر الثروة الطبيعية، غير النفط والغاز، تكون ملكا خالصا للإقليم الذي تقع تلك المصادر ضمنه بما فيها الحديد والنحاس والذهب والماس واليورانيوم والكبريت والفحم وغيرها.? باستثناء، تخطيط السياسات المتعلقة بمصادر المياه الواردة من خارج العراق، تكون الكلمة العليا في رسم وتنظيم سياسة الموارد المائية الداخلية لحكومات الأقاليم، وذلك يشمل بناء السدود أو توسيعها والمشاريع الاروائية وإنتاج الطاقة الكهربائية منها وشق القنوات والجداول والترع داخل حدود الأقاليم.? بالنسبة للنفط والغاز تكون الحقول غير الحالية (المستقبلية) من اختصاص الأقاليم حصرا، أما الحقول الحالية فإدارتها تكون مشتركة بين الاتحاد والأقاليم.? عند الخلاف تكون الكلمة الفصل لقانون الإقليم الذي له الأولوية على القانون
الاتحادي.
 

  • وصف الــ Tags لهذا الموضوع
  • الفيدرالية

هذه الفقرة تنقلك الى صفحات ذات علاقة بالمقالات الاكاديمية ومنها الاوراق البحثية المقدمة من قبل اساتذة جامعة بابل وكذلك مجموعة المجلات العلمية والانسانية في الجامعة وعدد من المدنات المرفوعة من قبل مشرف موقع الكلية وهي كالاتي:

قسم المعلومات

يمكنكم التواصل مع قسم معلومات الكلية في حالة تقديم اي شكاوى من خلال الكتابة الينا,يتوجب عليك اختيار نوع الرسالة التي تود ان ترسلها لادارة الموقع :