انت هنا الان: الرئيسية » القسم الاكاديمي
المقالات الاكاديمية والبحثية
تصفح هذه الورقة الالكترونية بتقنية Media To Flash Paper

أثر استخدام علم القياس التاريخي (Cliometrics) في اثراء المعرفة للتاريخ الاقتصادي
أ.د.جواد كاظم البكري
جامعة بابل-كلية الادارة والاقتصاد
مقدمة
يُعد علم القياس التاريخي، أو ما يسمى باللغة الانجليزية (Cliometrics) احد العلوم الحديثة المتفرعة من علم الاقتصاد القياسي، ويحاول هذا العلم الربط بين ثلاثة علوم أساسية وهي (الاقتصاد، الرياضيات، والتاريخ)، فهو ينمذج البيانات الاقتصادية التاريخية بصورة رياضية ويقوم بتقييمها وفقاً للنظرية الاقتصادية، ونظراً لصعوبة (عدم استحالة) الحصول على بيانات تاريخية واسعة، فأن الكثير من الاقتصاديين لم يلجوا في تفاصيل هذا العلم.
تحاول هذه الورقة تسليط الضوء على علم القياس التاريخي (Cliometrics) من خلال تعريفه، تاريخه، أهم منظريه، وماهي الاوراق البحثية التي استخدمت هذا العلم، وما هي نتائجها، بغرض وضع الباحثين الاقتصاديين العرب بصورة هذا العلم واستخداماته لعلها لبنة أولى في طريق استخدام هذا العلم في الادبيات الاقتصادية العربية فضلاً عن طلاب الدراسات العليا.
تعريف علم القياس التاريخي Cliometrics
الـ(Cliometrics) هو فرع حديث من علم القياس الاقتصادي الغرض منه تحليل التاريخ الاقتصادي من خلال تطبيق الأساليب الكمية، فيستخدم الـ(Cliometrics) النظرية الاقتصادية والاقتصاد القياسي لاكتساب نظرة ثاقبة عن الماضي الاقتصادي مع النمذجة والإحصاءات( ).
وعرَفه آخرون بأنه الإسقاط الكمي للعلوم الاجتماعية في الماضي من أجل فحص الأهمية النسبية للمتغيرات المختلفة، أي القوى (في العلوم الطبيعية) التي يعتقد أنها كانت فاعلة في موقف تاريخي معين. ( ).
تشتمل البيانات المستخدمة في التحليل على مجموعات كبيرة من البيانات على المستويين الكلي والجزئي مثل اتجاهات السكان والسلوك الاقتصادي ومؤشرات الازمات الاقتصادية.
مراجعة تاريخية
تم تطوير الـ(Cliometrics) في عام 1960 تقريبا، وتأسست جمعية الـ(Cliometrics) في عام 1983 وهو العام الذي فاز فيه دوغلاس نورث Douglass North وروبرت فوغل Robert Fogel بجائزة نوبل في الاقتصاد عن عملهما الرائد في مجال الـ(Cliometrics).
علم الـ(Cliometrics) يحاول دمج البيانات التاريخية مع النظرية الاقتصادية من خلال استخدام الاسلوب القياسي، وهناك مجلتان أكاديميتان تتعاملان مع هذا العلم، هما: Economic History Review، Cliometrica and Explorations in Economic History. ومن أمثلة الموضوعات التي تناولت هذا العلم هي (إنتاجية العمل في القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، تقنين الائتمان خلال الثورة الصناعية، والعلاقة بين السكان والأجور الحقيقية في التاريخ الإيطالي).
لقد حول علم الـ ((Cliometrics التاريخ الاقتصادي من تاريخ سردي إلى منهج رياضي، مما تسبب في الكثير من القلق والنقاش حول التوازن الصحيح بين الاقتصاد والتاريخ، لقد حدث هذا التحول عندما حصل رواد الـ ((Cliometrics وهما روبرت فوغل (Robert Fogel) ودوغلاس نورث (Douglass North) على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية. بعدها قطع علم الـ ((Cliometrics خطا دقيقا بين كونه "اقتصادي" ضيق للغاية، حيث إنه سيقيس فقط الظاهرة التي لا يمكن تفسيرها، والتاريخية للغاية، وفي هذه المرحلة سوف تتوقف عن جذب مهنة الاقتصاد، ولكن أثبت فيما بعد أنه من خلال دمج التاريخ الاقتصادي مع التقنيات الحديثة، لم ينه علماء علم القياس تاريخاً اقتصادياً، لكنهم رفعوه( ).
لقد كان لعلم الـ(Cliometrics) تأثير عميق على التاريخ الاقتصادي، فهو مسؤول عن تحويل هذا الفرع من المعرفة من سرد أساسي إلى مقاربة رياضية. لقد جمع هذا التحول بين النظرية والأساليب الكمية وقواعد البيانات الجديدة والمنقحة والتقنيات الحديثة، مما زاد من معرفتنا بعملية النمو الاقتصادي.
حدث تتويج هذا التحول عندما اعترف اعضاء لجنة منح جائزة نوبل في الاقتصاد بتجديد البحوث في التاريخ الاقتصادي من خلال تطبيق النظرية الاقتصادية والأساليب الكمية لشرح التغيير الاقتصادي والمؤسسي، مما يجعل من الممكن التشكيك وإعادة تقييم النتائج السابقة، والتي ... لم تزيد فقط من معرفتنا بالماضي، لكن ساهمت أيضاً في القضاء على النظريات غير ذات الصلة، والتي تبين أن الفهم التقليدي للنمو الاقتصادي والتنمية يحتاج إلى تعديل( ).
ويؤكد كل من (David Greasley) و (Les Oxley) لقد تأثر تطور علم الـ(cliometrics) بشدة بالتطورات الجديدة في أساليب الاقتصاد القياسي، وخاصةً في تحليل السلاسل الزمنية غير المستقرة بعد عمل إنجل وجرانجر (1987)( ).
في الخمسينيات من القرن العشرين، تبنت مجموعة صغيرة من علماء أمريكا الشمالية مقاربة ثورية في استكشاف الماضي الاقتصادي الذي امتد من بريطانيا العظمى وإيرلندا والبر الأوروبي وأستراليا ونيوزيلندا واليابان. إن ما كان يطلق عليه أولاً (التاريخ الاقتصادي الجديد)، ثم علم الـ(Cliometrics)، الذي تم تقديمه كإنجاز كبير من خلال إضفاء الطابع الرسمي (الرياضي) على النظرية الاقتصادية، والانتشار السريع لأساليب الاقتصاد القياسي وبواسطة إدخال أجهزة الكمبيوتر في الأوساط الأكاديمية.
يشتمل علم الـ( (Cliometrics على ثلاثة عناصر رئيسة: وهي استخدام الأدلة القابلة للقياس الكمي، استخدام المفاهيم والنماذج النظرية، استخدام الأساليب الإحصائية للتقدير والاستدلال، والعنصر الرابع المهم، توظيف البيانات التاريخية في الحكم على السياسات الاقتصادية التي كانت متبعة في عمق التاريخ الاقتصادي، بغية وضع البحث في السياق المؤسسي والاجتماعي، واختيار الموضوع ذي الأهمية للتاريخ والاقتصاد( ). على الرغم من استخدام الـ( (cliometricsفي مجموعة متنوعة من العلوم الاجتماعية والسلوكية التاريخية، ولكن ما يهمنا هنا هو التركيز على التاريخ الاقتصادي.
تم تطوير نهج تحليلي كمي للتاريخ الاقتصادي في السنوات ما بين الحربين العالميتين من خلال عمل علماء مثل سيمون كوزنتس في الولايات المتحدة وكولن كلارك في بريطانيا، وتم تحفيز العناصر المميزة لعلم الـ( (Cliometrics عن طريق الأحداث، والتغيرات في الاقتصاد، وتكثيف ما يمكن أن يسمى الدافع الإحصائي مثل:
أولاً، الركود، والحرب، وتفكك الإمبراطوريات، وتجديد النمو على نطاق واسع وأكثر سرعة في العالم الغربي، وتحدي التخطيط الاقتصادي على النمط السوفيتي مجتمعين لتركيز الاهتمام على مصادر وآليات النمو الاقتصادي والتنمية.
ثانياً، نشوء تيارات فكرية جديدة في الاقتصاد، مدفوعة جزئياً بالمشاكل الاقتصادية المعاصرة.
ففي ثلاثينيات القرن العشرين، وخصوصًا خلال الحرب العالمية الثانية، نشأت المقاربات النظرية للاقتصاد الكلي التي استمدت قدراتها من الاقتصاد الكلي الكينزي الجديد وتطوير حسابات الدخل القومي، وتم تقديم التقنيات الواضحة لتحليل تخصيص الموارد بالتفصيل.
ثالثًا، أصبح جمع الحقائق - مع التركيز على المصفوفات لنمذجة الحقائق الكمية - أكثر أهمية.
وبحلول القرن التاسع عشر، أصبحت الحكومات والمواطنين والعلماء منشغلين بجمع الحقائق، لكن ترتيبها كان عادةً غير مخصص وغير منتظم، إذ أصبحت الشمولية والنظام والرغبة في جمع الحقائق العلمية أكثر وضوحاً في القرن العشرين، وكان لكل هذه القوى تأثير على ولادة طريقة أكثر دقة لفحص الماضي الاقتصادي.
تم الكشف عن علم الـ( (Cliometrics رسميًا في ويليامزتاون، ماساتشوستس، في خريف عام 1957 في تجمع غير عادي استمر لأربعة أيام برعاية رابطة التاريخ الاقتصادي (Economic History Association) ومؤتمر البحوث في الدخل والثروة(Conference on Research in Income and Wealth)، وتم تصميم معظم البرنامج لعرض الأعمال الحديثة من قبل الاقتصاديين الذين غامروا في عمق التاريخ.
قدم باحثون شباب في مجموعة الدخل والثروة مساهماتهم في الحسابات القومية التاريخية للولايات المتحدة وكندا، مدفوعة بتقديرات روبرت غالمان (Robert Gallman) للإنتاج السلعي الأمريكي (1839-1899). أما بالنسبة للنظرية الاقتصادية والتاريخ الاقتصادي، فقد ترأسها والت روستو(Walt Rostow)، الذي استعاد ذكريات سنوات دراسته الجامعية في الثلاثينيات في جامعة ييل، حيث كان قد قاده أن يسأل نفسه "لماذا لا يرى ما الذي حدث إذا تم تطبيق آلية النظرية الاقتصادية على التاريخ الاقتصادي الحديث؟ "أكد أن" التاريخ الاقتصادي هو مجال أقل إثارة للاهتمام مما يمكن أن يكون.. "
قدم القادمون الجدد جون آر ماير (John R. Meyer) وألفريد كونراد (Alfred H. Conrad) ورقتين، الأولى كانت بعنوان "النظرية الاقتصادية والاستدلال الإحصائي والتاريخ الاقتصادي" (1957)، وهي بمثابة بيان لاستخدام النظرية الاقتصادية وأساليب الاقتصاد القياسي لدراسة الأسئلة التاريخية. لقد جادلوا بأن الظروف التاريخية المعينة هي حالات لظواهر أكثر عمومية ومناسبة للتحليل النظري، وأن الأدلة التاريخية الكمية، على الرغم من شحتها نسبياً، الا انها أكثر وفرة مما يعتقد الكثير من المؤرخين ويمكن تحليلها باستخدام طرق إحصائية رسمية.
في جلسة أخرى، قدم كونراد وماير ورقة بعنوان "اقتصاديات العبودية في الجنوب الاميركي"، والتي تضمنت وجهات نظره المنهجية لدحض مقترح طويل الأمد مفاده أن نظام الرقيق في جنوب الولايات المتحدة قد أصبح محتضراً بحلول خمسينيات القرن التاسع عشر وكان قد تلاشى لو لم تكن هناك حرب أهلية. أكد كونراد وماير هذه النقطة من خلال إظهار أن الاستعباد، الذي يُنظر إليه كنشاط تجاري، كان على الأقل مجزياً مثل الاستخدامات الأخرى لرأس المال المالي والمادي. لقد أوضحوا على نطاق أوسع "الطرق التي يمكن بها استخدام النظرية الاقتصادية في ترتيب وتنظيم الحقائق التاريخية".
بدأت "ثورة علم القياس التاريخي" - وهو ما يُعتقد عموماً - عندما التقى المؤرخون الاقتصاديون الأمريكيون والكنديون في ويليامزتاون، ماساتشوستس في خريف عام 1957 تحت رعاية مؤتمر البحث في الدخل والثروة، وكان موضوعهم "اتجاهات الاقتصاد الأمريكي في القرن التاسع عشر"، وهو أيضاً عنوان مجلد المؤتمر الذي نُشر في عام 1960. وكان ذلك الاجتماع أول تحرك منظم لحركة "تحديث" التاريخ الاقتصادي التقليدي من خلال تطبيق أنماط رسمية أكثر من التحليل الاقتصادي وتقديم المزيد من الأساليب الكمية الحديثة للبيانات والمشكلات التاريخية( ).
بعد عقدين من الزمن، أشار روبرت غالمان إلى أن "مؤتمر ويليامزتاون" فعل أكثر من وضع القطار على السكة ... كما أنه حدد نبرة وأسلوب التاريخ الاقتصادي الجديد وحتى توقع المصالح المنهجية والموضوعية الرئيسة التي كانت ستستحوذ على اعمال الكلايوميترك (cliometricians) خلال العشرين عاماً القادمة. ولم تمر الا سنة واحدة حتى بدأت الاعمال العلمية في هذا العلم تتوالى من خلال دمج أساليب جديدة ، وفحص مجموعات من البيانات التي كان من الصعب جداً تحليلها سابقاً دون مساعدة من أجهزة الكمبيوتر، والتحقيق بمجموعة متنوعة من الأسئلة ذات الأهمية التقليدية، معظمها في التاريخ الاقتصادي الأمريكي. وأصبحت هناك مجموعات عمل على مستوى القارة الاميركية، الذين ربطوا بعضهم ببعض في شبكة فكرية واجتماعية متشعبة.
كانت هناك مثابة مهمة ومستمرة في هذه الشبكة في جامعة بوردو(Purdue University) في ويست لافاييت، إنديانا. ففي أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، اجتمعت مجموعة من الاقتصاديين من الشبان ومن القدماء، وكان التلاحم بين الخبرة التاريخية والخبرات الفنية استثنائياً. في هذه المجموعة كان هناك أشخاص آخرين يعملون في حقول علمية أخرى من بينهم (Lance Davis) و (Jonathan Hughes). وكان من بين المجموعة ستانلي رايتر(Stanley Reiter)، عالم الاقتصاد الرياضي الذي حضر اجتماعات جمعية التاريخ الاقتصادي في سبتمبر 1960 لتقديم ورقة بحثية توضح البحث التاريخي الكمي الجديد الذي يجري في جامعة بوردو - وتقديم مصطلح الـ(cliometrics) إذ صاغ (Reiter) المصطلح كمزيج غريب من الكلمات(Clio) ، التي تشير الى التاريخ، و (metrics) التي تشير الى الاقتصاد القياسي، ومع مرور السنين، بقي هذا المصطلح عالقاً بالأذهان وأصبح اسماً يطلق على هذا الحقل العلمي.
بناءاً على الحماس الذي أثاره ذلك العرض التقديمي، ولتعزيز مكانة جامعة بوردو العلمية بين جامعات الولايات المتحدة الاميركية في مجال البحوث الكمية في التاريخ الاقتصادي، سعى ديفيس وهيوز (بمساعدة رايتر) للحصول على أموال من جامعة بوردو، حصلوا عليها في ديسمبر 1960 من حوالي عشرة من المؤرخين الاقتصاديين. وتم عقد مؤتمر علمي مهيب أسموه "مؤتمر حول تطبيق النظرية الاقتصادية والأساليب الكمية لدراسة مشاكل التاريخ الاقتصادي"، وسرعان ما سميت الاجتماعات باسم "Clio" أو"Cliometrics Conference . من بين العروض الستة التي قدمت في الاجتماع الأول، لم يكن أي منها أكثر إثارة للاهتمام من ورقة روبرت فوغل(Robert Fogel) "الادخار الاجتماعي الناتج عن توسيع شبكة السكك الحديدية الأمريكية حتى عام 1890" الذي اثبت فيها، وفقاً لتحليل البيانات التاريخية، أن رأي روستو (صاحب نظريات النمو) في أن قطاع السكك الحديدية الاميركي كان سبباً حاسماً في توليد إقلاع أمريكا نحو نمو مستدام ذاتياً كان خاطئاً، وأن دور قطاع السكك الحديدية في التنمية الأمريكية لا يمكن التعويل عليه( ).
في الواقع، مثله مثلWalt Rostow ، شعر المؤرخون الاقتصاديون الآخرون أن التاريخ الاقتصادي في حاجة إلى التجديد: كتب ألكساندر غيرشنكرون (Alexander Gerschenkron) في عام 1957 ورقة بعنوان "التاريخ الاقتصادي في وضع سيئ". أوضح فيها إن التاريخ الاقتصادي القديم مليء بالأخطاء في التفكير الاقتصادي ويجسد نهجاً غير مناسب للتفسير السببي. أصر علماء القياس الاقتصادي على اتباع نهج علمي للمسائل الاقتصادية والتاريخية، وعلى تحديد دقيق لنماذج واضحة للظواهر التي كانوا يبحثون عنها، وأعلن دوغلاس نورث (Douglass North) أن "ثورة تحدث في التاريخ الاقتصادي في الولايات المتحدة ... بدأها جيل جديد من المؤرخين الاقتصاديين" تهدف إلى إعادة تقييم "التفسيرات التقليدية للتاريخ الاقتصادي الأمريكي". وقال روبرت فوغل إن ذلك يُعد "عنصراً جديداً في العمل" لا سيما في قدرة الاقتصاديين على إيجاد طرق لقياس الظواهر الاقتصادية التي لا يمكن قياسها مباشرة. وفي عام 1993، حصل هذان الاثنان على جائزة نوبل في الاقتصاد كونهما رائدان في فرع التاريخ الاقتصادي الذي أطلق عليه" علم القياس التاريخي، أو الـ(cliometrics) .
كانت السمة المميزة لسلسلة الأعمال التي قام بها المؤرخون الاقتصاديون الجدد هي دمج الحقيقة مع النظرية، فالنظرية الاقتصادية واضحة بالنسبة لهم ولكن الحقائق والبيانات عادةُ ما تكون غير متاحة بشكل مريح، وقد بُذلت جهود كبيرة لاستخراجها من المصادر القديمة، سواء كانت منشورة أم لا. والواقع أن شروط استخدام القياس التاريخي تفرض توفر بيانات واسعة تفسر الظواهر الاقتصادية، لذلك بذل العديد من المؤرخين الاقتصاديين الجدد جهوداً كبيرة في الستينيات لتوسيع السجل الكمي الأمريكي.
كان وليام باركر وروبرت غالمان، مع طلابهم، رائدين في تحليل البيانات على المستوى الفردي المستوحاة من مخطوطات التعداد في الولايات المتحدة، وهو مشروع ناشئ عن دراسة باركر السابقة للمزارع الجنوبية. ومن جدول التعداد الزراعي لعام 1860، قاموا برسم عينة مبنية بعناية من أكثر من 5000 مزرعة في مقاطعات القطن في أمريكا الجنوبية ومطابقة تلك المزارع مع جدولين منفصلين للسكان الأحرار والعبيد. تبعت عينة Parker-Gallman عينات التعداد للزراعة الشمالية والجنوبية في مرحلة ما بعد الحرب.
طبق الممارسون الأوائل لعلم القياسات المعيارية مهاراتهم النظرية والكمية على بعض القضايا الراسخة في التاريخ الاقتصادي الأكثر "تقليدية"، لا شيء أكثر أهمية من السؤال عن متى وكيف بدأ الاقتصاد الأمريكي الشمالي في تجربة "النمو الاقتصادي الحديث" بسرعة. قرن من الزمان، كان النمو الاقتصادي في كل من الولايات المتحدة وكندا يتخللها فترات الازدهار والركود والأزمات المالية، لكن العمل الجديد قدم صورة أفضل لمسار الناتج القومي الإجمالي ومكوناته، مما كشف عن اتجاهات تصاعدية ثابتة في إجمالي الناتج والدخل للشخص الواحد و لكل عامل. هذا الأخير، بدا واضحًا من العمل الذي قام به (Moses Abramovitz) و (Robert Solow) في الخمسينيات من القرن الماضي، وكان لا بد من استخلاصهما بشكل كبير من إدخال تقنيات جديدة، وكذلك من توسيع نطاق وتغلغل السوق. وهكذا أنشأ العديد من العلماء هدفًا ذا صلة، فهم، على الأقل، استطاعوا ان يحسبوا نمو الإنتاجية.
كانت محاولة تقديم تفسيرات سليمة للنمو وتغيير الإنتاجية والعديد من التطورات الأخرى في التاريخ الاقتصادي الحديث، وخاصة في الولايات المتحدة وبريطانيا، هدفًا لنظرية علماء القياس التاريخي، فقد تعرضوا لانتقادات كثيرة من الخارج لاستخدامهم الأدوات التقنية ذاتها، وداخل الحركة ذاتها كان هناك الكثير من الخلافات المنهجية والمعارضة. ومع ذلك، فإن علماء القياس الميكانيكيين الأوائل ولّدوا تقاليد فكرية مستدامة انتشرت في جميع أنحاء العالم من أصول أمريكا الشمالية.
استمرت الدراسات والبحوث التي حللت السياسات الاقتصادية التاريخية من خلال استخدام الـ(Cliometrics)، فقد بحث كل من (JOHN C. BROWN) و (GERHARD NEUMEIER) في عام 2001 موضوع بعنوان (مدة شغل الوظائف وديناميات سوق العمل أثناء فترة التصنيع العالي: حالة ألمانيا قبل الحرب العالمية الأولى)( ) استخدم الباحثان بيانات تاريخية لثماني شركات ألمانية متخصصة في صناعة المنسوجات والصناعات الثقيلة خلال فترة التصنيع العالية، لتحديد الملامح الرئيسة لأسواق العمل في ألمانيا قبل عام 1914، وقد وجد الباحثان أن النتائج تتوافق مع النماذج الاقتصادية الكلاسيكية الجديدة لأسواق العمل، إذ يشير تحليل المخاطر لسجلات التوظيف في الشركة إلى أنه على الرغم من أن الحالة الاجتماعية أدت دوراً مهماً في التنقل، إلا أن العمال الأكبر سناً شغلوا من ثلاثة إلى أربعة أضعاف عدد الوظائف التي يشغلها العمال اليوم، وكانت مستويات المعلومات والمهارات من العوامل الحاسمة الأهمية، أما متغير التنقل فقد كان عالي الاستجابة للتغيرات في ظروف الطلب أيضاً( ).
أما Olivier Damette وآخرون( ) فقد بحثوا موضوعا بعنوان (هل يمكن لمبدأ تايلور(*) أن يفسر السياسة النقدية لبنك الاحتياطي الفيدرالي بشكل أفضل خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي؟ تحليل غير خطي) وقد بحثت هذه الورقة فيما إذا كان متغير مبدأ تايلور منطبقاً على البيانات النقدية التاريخية لفترة ما بين الحرب من اجل الحصول على فهم أفضل لسلوك الاحتياطي الفيدرالي للسياسة النقدية خلال الفترة 1920-1940.
فقد تحقق الباحثون في هذا العمل من صحة استخدام مبدأ تايلور لشرح سلوك السياسة النقدية في التاريخ بشكل أكثر فعالية. وبالتالي، فإن مواصفات مبدأ تايلور غير الخطي هذه وفرت نتائج مثيرة للاهتمام لفهم أفضل للأنظمة النقدية خلال فترة ما بين الحربين، وتقدم مكملات مفيدة للتاريخ النقدي السردي.
وقد ذهب البعض أبعد من ذلك، فقد بحث (Jacob Weisdorf) في السجلات التاريخية للكنيسة( )، التي توفر سجلات تحتوي على بيانات تتعلق بثلاثة أحداث رئيسية في الحياة: الولادات والوفيات والزواج، فهناك حجتان أساسيتان لاستخدام مثل هذه الإحصاءات في التاريخ الاقتصادي وهما أن الاقتصاد يؤثر عليها جميعاً وأن جميعها، بدورها، تؤثر على الاقتصاد. على سبيل المثال، كان توقيت الزواج أو الولادة في الماضي يعتمد على إمكانيات الكسب المادي للأفراد، وغالباً ما تحدث الوفيات أو عمليات الإجهاض نتيجة فشل الحصاد والجوع. وعلى العكس من ذلك، تحدد الولادات والوفيات حجم السكان، مما يؤثر على الأسعار والأجور من خلال طلب الناس على السلع وتوفير العمالة.
اليوم، نقول إن علم الـ(Cliometrics) هو مجال واسع في الاقتصاد، يساهم في مناقشات جديدة ويتحدى الحكمة التقليدية، إذ ساهم هذا العلم في استخدام تقنيات الاقتصاد القياسي والنظرية الاقتصادية بغرض تجديد نقاشات التاريخ الاقتصادي، وجعل الحجج الكمية أمراً لا مفر منها، وساهم في ظهور وعي تاريخي جديد بين الاقتصاديين، إذ أن الـ(Cliometrics) لا يهتم فقط بالتاريخ الاقتصادي بالمعنى التقني المحدود للمصطلح، ولكنه محاولة لتعديل البحث التاريخي بشكل عام، فهو يمثل الإسقاط الكمي للعلوم الاجتماعية في الماضي.
على سبيل المثال فإن مسألة معرفة ما إذا كانت العبودية استفادت منها الولايات المتحدة قبل الحرب الأهلية أو ما إذا كان للسكك الحديدية آثار كبيرة على تنمية الاقتصاد الأمريكي هي مهمة بالنسبة للتاريخ العام بقدر أهمية التاريخ الاقتصادي، وستؤثر بالضرورة على أي تفسير أو تقييم للأنثروبولوجيا، القانون، السياسة، الاجتماع، وعلم النفس، وما إلى ذلك من مسار التاريخ الاقتصادي. علاوة على ذلك، تتحدى القياسات المعيارية إحدى الفرضيات الأساسية للمدرسة المثالية: القائلة بأنه لا يمكن أبدًا تقديم دليل علمي من التاريخ لأنه من المستحيل إخضاع الأحداث التاريخية الفريدة للتحليل التجريبي. على العكس من ذلك، فقد أظهر علماء القياس التاريخي أن مثل هذه التجربة ممكنة عن طريق بناء واقع مضاد يمكن استخدامه لقياس الانحراف بين ما حدث بالفعل وما يمكن أن يحدث في ظروف مختلفة.
حدد فوغل السمات المنهجية لعلم القياس التاريخي، إذ اعتبر أنه من الضروري أن تشدد القياسات التاريخية على القياس مع إدراك وجود روابط وثيقة بين القياس والنظرية. في الواقع، ما لم يكن مصحوباً بمعالجة إحصائية و/ أو اقتصادية، وتحليل كمي منهجي، يعد القياس مجرد شكل آخر من أشكال التاريخ السردي. صحيح أنه يستبدل الكلمات بالأرقام، لكنه لا يجلب أي عوامل جديدة. في المقابل، فإن علم الـ( (cliometricsمبتكر عند استخدامه لمحاولة صياغة جميع تفسيرات التنمية الاقتصادية السابقة. وبعبارة أخرى، فإن السمة الرئيسة له هي استخدام نماذج افتراضية-استنتاجية تستدعي تقنيات الاقتصاد القياسي بهدف تأسيس التفاعل بين المتغيرات في موقف معين في شكل رياضي( ).
حتى الآن، تم استخدام بعض النماذج الافتراضية في تحديد آثار الابتكارات والمؤسسات والعمليات الصناعية على النمو والتنمية الاقتصادية نظراً لعدم وجود سجلات توضح ما كان يمكن أن يحدث لو لم تحدث الابتكارات المعنية أو إذا لم تكن العوامل المعنية موجودة، فكان لا يمكن اكتشاف ذلك إلا من خلال وضع نموذج افتراضي يستخدم لاستنتاج موقف بديل افتراضي - أي الواقع المضاد (counterfactual). صحيح أن استخدام المقترحات التي تتناقض مع الحقائق ليس بالأمر الجديد بحد ذاته، ولكن مثل هذه المقترحات متضمنة في سلسلة كاملة من الأحكام، بعضها اقتصادي وبعضها الآخر لا( ).
إن استخدام مثل هذا التحليل المضاد لم يفلت من النقد، فلا يزال العديد من الباحثين يعتقدون أن استخدام الفرضيات التي لا يمكن التحقق منها يولد تاريخاً مشوهاً وليس تاريخا حقيقياً، علاوة على ذلك، فإن النتائج التي تم الحصول عليها عن طريق تطبيقات cliometric الأكثر تفصيلا كانت أقل أهمية مما كان يأمل العديد من علماء القياس التاريخي.
لا شك أن النقاد على حق في استنتاج أن التحليل الاقتصادي في حد ذاته، باستخدام أدوات القياس الاقتصادي، غير قادر على تقديم تفسيرات سببية لعملية وهيكل التغيير والتنمية التاريخية، ومع ذلك، على الرغم من خيبات الأمل الناتجة عن بعض دلائله أو اثباتاته، فإن لعلم القياس التاريخي أيضاً نجاحاته جنباً إلى جنب مع التقدم النظري المستمر، فمن الواضح أن الخطر يتمثل في السماح للنظرية الاقتصادية بإهمال مجموعة كاملة من الوثائق التجريبية التي يمكن أن تثري معرفتنا بواقع الحياة الاقتصادية. بالمقابل، يمكن أن تساعد النظرية على إبراز ثوابت معينة، وإتقان النظرية فقط يجعل من الممكن التمييز بين المنتظم وغير المنتظم والمتوقع وغير المتوقع.










المصادر

1. Claude Diebolt and Michael Haupert , Handbook of Cliometrics, Springer Heidelberg, 2016.
2. Claude Diebolt, Cliometrica after 10 years: definition and principles of cliometric research, Springer-Verlag Berlin Heidelberg 2015.
3. David Greasley and Les Oxley, Economics and History, Blackwell Publishing Ltd, 2011.
4. Jacob Weisdorf, Church Book Registry: A Cliometric View, Springer-Verlag Berlin Heidelberg 2014.
5. JOHN C. BROWN AND GERHARD NEUMEIER, Job tenure and labour market dynamics during high industrialization: the case of Germany before World War I, European Review of Economic, United Kingdom, 2001.
6. John Lyons and Sam Williamson, https://eh.net/encyclopedia/cliometrics.
7. John S. Lyons and others, REFLECTIONS ON THE CLIOMETRICS REVOLUTION Conversations with economic historians, published by Routledge, 2008.
8. Michael Haupert, THE IMPACT OF CLIOMETRICS ON ECONOMICS AND HISTORY, Revue d économie politique 2017/6 (Vol. 127).
9. Olivier Damette and others, Can a Taylor rule better explain the Fed’s monetary policy through the 1920s and 1930s? A nonlinear cliometric analysis, Studies in Nonlinear Dynamics & Econometrics. 2018.
10. Tim Leunig, Social savings, Journal of economic surveys, 24 (5)., 2010.


  • وصف الــ Tags لهذا الموضوع
  • Cliometrics، القياس التاريخي، القياس الاقتصادي

هذه الفقرة تنقلك الى صفحات ذات علاقة بالمقالات الاكاديمية ومنها الاوراق البحثية المقدمة من قبل اساتذة جامعة بابل وكذلك مجموعة المجلات العلمية والانسانية في الجامعة وعدد من المدنات المرفوعة من قبل مشرف موقع الكلية وهي كالاتي:

قسم المعلومات

يمكنكم التواصل مع قسم معلومات الكلية في حالة تقديم اي شكاوى من خلال الكتابة الينا,يتوجب عليك اختيار نوع الرسالة التي تود ان ترسلها لادارة الموقع :