تسويق الافكار



Rating  0
Views   1769
حوراء رزوقي عباس القريشي
2/5/2012 10:03:33 PM



كيف تنتج البنيات الفكرية مكاسب مادية ؟ وكيف تسوق الأفكار ؟

إن أسهل سبل تسويق الأفكار هو التعليم مقابل أجر مادي أو معنوي  كما في التعليم والتدريس والتربية بكافة أشكالها وأنواعها ، مثل التعليم الديني والتربوي والمدرسي ......الخ .
وهناك طريقة أصعب قليلاً وهي  تأليف وتسويق الكتب والمجلات وما شابهها ، كما في الإنتاج الأدبي بكافة أشكاله ، والأنواع الأخرى من الإنتاج الفكري والفلسفي والعلمي والديني والسياسي ....الخ.
وهناك تسويق وبيع الأفكار- تسويق الخبرة- لدورها ووظيفتها المساعدة أو الضرورية لإنتاج السلع والأدوات ، أو المساعدة في تحقيق الأهداف والمشاريع بكافة أنواعها، سواء في مجال الزراعة أو الصناعة أو الطب أو الاقتصاد أو الحرب ....الخ .
إن إنتاج الأفكار أو البنيات الفكرية الهامة أو ذات الدقة العالية غير كاف لتسويقها أوانتشارها ، فلا بد من مساعدة بنيات أخرى وتوفير عناصر أخرى كما في تسويق أي سلعة .
فليست كل الأفكار المنتجة في العقول يتم تسويقها أوانتشارها  حتى وإن كانت هامة وفعالة وجيدة ، فالكثير منها يبقى داخل العقول التي أنتجتها ولا يخرج ( لا يتوضع في بنيات مادية خارجها ) أو يخرج ولكنه لا ينتشر أو يسوق وينشر في مجال ضيق .
وتسويق الأفكار يخضع للعرض والطلب أو رغبات ودوافع المنتج والمستهلك ، بالإضافة إلى ما يلزم للتسويق الجيد والفعال من دعاية وغيرها, ويخضع كذلك لتنافس السلع المشابهة الأخرى ، وليس ضرورياً أن تكون الأفكار الأجود والأدق هي التي تباع وتنتشر فكما أن السلع المنتشرة والمتعارف عليها والمتداولة تقاوم دخول سلع جديدة مشابهة حتى وإن كانت أفضل منها ، كذلك الأفكار, فأفكار أرسطو وأفكارالكثير من المفكرين العظام وأفكار كافة الأديان والعقائد والكثير من الأفكار الأخرى وفي كافة المجالات قاومت وتقاوم تسويق الأفكار الجديدة المشابهة لها ، وهذا يحدث حتى في الأفكار العلمية  .
إن الإنتاج الفكري المنشور  وممارسة الألعاب الفكرية المكتوبة عندنا هو في أزمة تسويق وبالتالي قلة إنتاج , وذلك بسبب صعوبة التسويق وعوامل أخرى , والمقروء الرائج الآن بالدرجة الأولى  هو المناهج المدرسية المفروضة  والفكر الديني  ثم يأتي الفكر السياسي  ثم يأتي الفكر الأدبي  وبعده العلمي والفلسفي والاجتماعي والنفسي .
أما الفكر المدرسي أي التعليم بكافة مراحله من الإلزامي إلى الجامعي  فهو فكر مفروض  وله خصائصه وهو يشمل غالبية الأفراد لأنه مفروض ، ويظل مردوده غير متكافئ مع ما يبذل من موارد وجهود ، وقد تلقى صدمة كبيرة نتيجة الفشل في تحقيق مردود مادي جيد ، فالمهن العملية التي لا تعتمد على الفكر المقروء تتفوق عليه وتحقق مردوداً ماديا أعلى ، وهذه أكبر مشكلة نعانيها الآن  فإذا كان الأفضل يظهر بشكل الأسوأ , والأسوأ يظهر بشكل الأفضل  فأي مشكلة أكبر من هذه ؟

يقولون : تقرأ ؟ ! تكتب ؟ ! هل لديك الوقت لتلك الألعاب والكماليات غير المجدية؟ ! 
نحن نعاني بشكل كبير من كساد  وصعوبة في تسويق الإنتاج الفكري المقروء الأدبي ، وبشكل أكبر العلمي ، فأكثر من 50 بالمئة من الإعلام العربي أصبح منصباً على الإنتاج المسموع والمشاهد ، وهو يشمل السياسة والدين والأدب والترفيه بشكل أساسي ، أما الإعلام المقروء وخاصةً العلمي والتقني  فهو في أدنى مستوياته مقارنة بالدول المتقدمة , حيث ننتج بضعة مئات فقط من الكتب العلمية سنوياً  في أحسن الحالات, مقابل عشرات آلاف الكتب عند تلك الدول.
أما المجلات والصحف فوضعها أسوأ، فهي موجهة, وفي غاية التواضع من حيث المضمون المعرفي ، أو هي فنية وغالباً متدنية المستوى  .  

قيمة الأفكار والمعلومات وقيمة الكتاب والدافع لتسويق الكتاب عندنا ..
كانوا يقولون " النصيحة بجمل " أي المعلومة الجديدة والمفيدة لها سعر جيد ، والآن نظراً للكثرة الهائلة من المعارف والمعلومات انخفضت قيمة المعارف كثيراً ، وذلك نتيجة العرض الكبير لكميات هائلة من المعلومات ، والمترافق مع عدم دقة وضمان وفائدة وجودة هذه المعلومات , فالاختلاط الكبير الحاصل في المعارف المعروضة  جعل قيمة هذه المعارف مشكوك فيها ، فكثرة العرض وفوضى هذا العرض  وعدم وضوح مصداقيته وجودته أضعف الطلب عليها كثيراً  وهذا ما هو حاصل لدينا ، بالإضافة إلى وجود التلفزيون والكومبيوتر والإنترنت  وما تعرضه من معارف وأفكار وفنون ، بكميات كثيرة وبكلفة زهيدة , وهذا ما جعل إصدار كتاب يلقى الرواج والنجاح صعب جداً , صحيح أن بعض الكتب إن كانت فنية أو أدبية أو علمية أو سياسية  تلقى بعض النجاح ، ولكنه يظل نجاحاً محدوداً  لا يكافئ ما بذل من جهود في تأليفها وإصدارها, وهذا ما جعل تسويق ونشر الكتاب  صفقة خاسرة من نواح كثيرة ، وبالتالي أحبط المفكرين والمؤلفين الجيدين والقادرين على إنتاج الكتاب الجيد ، وجعلهم محدودين بفئة طموحة  تريد النشر بغض النظر عن الكسب المادي مع تحمل الصعوبات الموجودة, صحيح أن بعض الدول تدعم وتساهم في نشر الكتاب والمجلات المتخصصة  بدرجات متفاوتة ، وهذا ما سمح بصدور الكتب الجيدة ولكن بأعداد قليلة ومع ذلك يبقى تأليف الكتاب صفقة غير جيدة بالنسبة لأغلبية المفكرين ، وكل هذا بالإضافة إلى الرقابة والقيود المتنوعة والكثيرة المفروضة على النشر , والذي يضعف دافع التأليف أكثر هو منافسة الكتاب الأجنبي المترجم ، فهو غالباً عالي الموثوقية - لأنه أجنبي , وهو على الأغلب جيد فعلاً - وهو في رأيي أكبر منافس للمؤلف العربي ، فمؤلف الكتاب الأجنبي ظروفه مختلفة جداً عن المؤلف العربي ، لذلك تكون إمكانيته لإنجاح الكتاب أفضل بكثير من المفكر العربي ، والمفكر الأجنبي عندما ينتج كتاباً جيداً يكافأ بمردود جيد على عمله ، صحيح أن له ظروفه ويمكن أن تكون هناك صعوبات وعقبات، ولكن يظل وضعه أفضل بكثير من المؤلف العربي ، فسوق الكتب عنده جيد والتسويق جيد ، فدور النشر ذات الإمكانيات العالية تنشر الجيد والمناسب ، وهي متطورة في اختيار ومعرفة الكتاب الجيد ، وكذلك متطورة في النشر والدعاية ، ولها زبائنها الدائمين ، وبالتالي مكاسبها مؤمنة وهذا هام جداً , والكتاب الأجنبي عندما يترجم لا يكلف دور النشر كثيراً ، فغالباً المؤلف الأجنبي لا يهمه كثيراً مردود ذلك ، لأنه لا يعتمد عليه نهائياً ، وبالإضافة إلى أن تسويق الكتاب الأجنبي بالنسبة لدور النشر أسهل وأضمن ، كل هذه العوامل جعلت إمكانية تأليف الكتاب الجيد محدودة لدينا .



وصف الــ Tags لهذا الموضوع   تسويق الافكارالادارة والاقتصاد تأليف الكتب جامعة بابل الكسب المادي الدوافع النشر الترجمة