أعداء التاريخ . . . من هم ؟؟



Rating  0
Views   659
حوراء رزوقي عباس القريشي
13/10/2012 20:19:20



جيه. برادفورد ديلونج

إذا سألت مؤرخاً اقتصادياً معاصراً مثلي عن الأسباب التي قادت العالم حالياً إلى الوقوع في قبضة أزمة مالية خانقة والانزلاق إلى منحدر اقتصادي عميق، فإن الرد سيتلخص في أن ما يحدث الآن يشكل في الواقع الحلقة الأخيرة في سلسلة تاريخية طويلة من الفقاعات والانهيارات والأزمات وموجات الركود المماثلة، والتي ترجع على الأقل إلى فقاعة بناء القنال في أوائل عشرينيات القرن التاسع عشر، وإفلاس مؤسسة بول وثورنتون وشركاهما في الفترة 1825 - 1826، وموجة الركود الصناعي الأولى التي أعقبت ذلك في بريطانيا. ولقد شهدنا هذه العملية في عديد من النوبات التاريخية أيضاً ـ في عام 1870، وعام 1890، وعام 1929، ثم في عام 2000.

إن أسعار الأصول تختل لسبب ما فترتفع إلى مستويات غير عادية وغير قابلة للاستمرار. وفي بعض الأحيان قد يكون الجاني متمثلاً في الضوابط الداخلية الرديئة في الشركات المالية التي تبالغ في مكافأة مرؤوسيها عن خوض المجازفة. وفي بعض الأحيان قد يكون السبب راجعاً إلى الضمانات الحكومية، وفي أحيان أخرى قد يكون راجعاً ببساطة إلى فترة طويلة من الحظ المواتي، الأمر الذي يجعل السوق تحت رحمة مجموعة من المتفائلين غير الواقعيين.

ثم يأتي السقوط، ومعه تنهار القدرة على تحمل المجازفة: حيث يدرك الجميع وجود خسائر هائلة غير محققة في الأصول المالية، ولكن لا أحد يعرف على وجه اليقين أين مكمن هذه الخسائر بالتحديد. ويلي السقوط محاولات الفرار إلى بر الأمان، ثم يلي ذلك هبوط حاد في سرعة تحرك النقود مع مبادرة المستثمرين إلى تكديس الأموال النقدية. وهذا الهبوط في سرعة تحرك النقود يؤدي في النهاية إلى الركود.

لن أزعم أن هذا هو النمط الذي تسير عليه كل حالات الركود؛ فهذا غير صحيح. ولكن أقول: إن هذا هو النمط الذي رأيناه أثناء الركود الحالي، وإن هذه ليست المرة الأولى.
ولكن إذا وجهت السؤال نفسه إلى خبير معاصر في الاقتصاد الكلي ـ على سبيل المثال الاقتصادي اللامع نارايانا كوشيرلاكوتا من جامعة مينيسوتا ـ فسيقول لك: إنه لا يدري، وإن نماذج الاقتصاد الكلي تعزو حالات الانحدار الاقتصادي إلى أسباب مختلفة. وسوف يشير إلى أن أغلب هذه الأسباب تعتمد على شكل ما من أشكال التحركات الفصلية الضخمة في الساحة التكنولوجية . ويعزو البعض الصدمات الجماعية إلى المنفعة الهامشية الناتجة عن وقت الفراغ. وهناك نماذج أخرى تعزو الصدمات الفصلية الضخمة إلى تراجع القيمة أثناء صدمات رأس المال (من أجل توليد تقلبات عالية في أسعار الأصول)... .

وهذا يعني أن دورات الانحدار إما أن تكون نتيجة لنسيان جسيم للمعارف التكنولوجية والتنظيمية، أو عطلة كبيرة حيث يطرأ على العاملين رغبة فجائية في الراحة الإضافية، أو صدأ عظيم يعترى الناس مع تسارع عملية تآكل الأكسجين، الأمر الذي يؤدي إلى تضاؤل قيمة الأشياء الضخمة المصنوعة من المعادن.

ولكن خبراء الاقتصاد الكلي المعاصرين سيقولون أيضاً: إن كل هذه النماذج في نظرهم بمثابة قصص غير معقولة لا تستحق أن نأخذها على محمل الجد. والواقع أن لا أحد يصدق هذه النماذج، ويقول كوشيرلاكوتا: إن خبراء الاقتصاد الكلي لا يستخدمون هذه النماذج إلا كطريق مختصر مريح لتوليد المستويات المطلوبة من التقلب في نماذجهم الحسابية.
وهذا يقودني إلى سؤالين:
الأول، هل حقاً لا أحد يصدق هذه القصص؟ إن إد بريسكوت من جامعة ولاية أريزونا يعتقد حقاً أن حالات الركود واسعة النطاق ترجع إلى نوبات تعتري الاقتصاد بالكامل حيث تُنسى المعارف التكنولوجية والتنظيمية التي ترتكز عليها إنتاجية العامل الكلي. وتشكل أزمة الكساد الأعظم أحد استثناءات هذه القاعدة، حيث يرى بريسكوت أنها كانت راجعة إلى تجاوز الأجور الحقيقية لقيم التوازن بشكل مبالغ فيه، وذلك بسبب السياسات غير العادية المناصرة للعمال والنقابات المهنية والتي تبناها الرئيس هربرت هوفر.
وعلى نحو مماثل، يبدو أن كيسي موليجان من جامعة شيكاغو يعتقد حقاً أن الهبوط الحاد في نسبة تشغيل العمالة إلى السكان من الممكن أن ننظر إليه باعتباره عطلة كبرى ـ وباعتباره عرضاً جانبياً للسياسات الحكومية المدمرة مثل تلك المعمول بها اليوم، التي تدفع العمال إلى ترك وظائفهم حتى يتسنى لهم الحصول على الإعانات الحكومية الأعلى لإعادة تمويل قروض الرهن العقاري. (معكم كل الحق؛ وأنا أيضاً أرى أن هذا افتراض غير معقول بالمرة).

ثانياً، وبصرف النظر عما إذا كان خبراء الاقتصاد الكلي المعاصرون يعزون الصعوبات التي نواجهها حالياً إلى أسباب بعيدة كل البعد عن الواقع ، أو يعترفون بجهلهم ببساطة، فما الذي يدفعهم إلى الاقتناع بوجهة نظر مخالفة لوجهة نظر المؤرخين الاقتصاديين من أمثالنا؟ وبصرف النظر عما إذا كانوا قد رفضوا تفسيراتنا، أو ببساطة بنوا (أو فشلوا في بناء) وجهات نظر خاصة بهم بسبب جهلهم بما قمنا به، فما الذي منعهم من استخدام عملنا؟
إن السؤال الثاني مقلق بشكل خاص. ذلك أن النظرية الاقتصادية لا بد أن تتفاعل وتتصارع مع التاريخ الاقتصادي. فالنظرية عبارة عن تاريخ متبلور ـ وليس من الممكن أن تكون أكثر من ذلك. فقد يلاحظ شخص ما إحدى الحالات التثقيفية أو بعض الانتظام السردي أو التجريبي فيقول: هذا أمر جدير بالاهتمام؛ دعونا نبن نموذجاً من هذا . وبعد البلورة الأولية تتطور النظرية بطبيعة الحال وفقاً لضروراتها الفكرية والعمليات المرتبطة بها، ولكن بذرة التاريخ تظل مغروسة. ولكن ماذا حدث لهذه البذرة؟
لا أريد بهذا أن أقول: إن بناء نماذج الاقتصاد الكلي في الجيل الماضي كان بلا طائل. ولكنني أعتقد حقاً أن خبراء الاقتصاد الكلي المعاصرين لا بد أن يُجمعوا وأن يُرسلوا إلى معسكر تدريب مع المؤرخين النقديين من مختلف أنحاء العالم باعتبارهم مدربين لهم. ويتعين عليهم أن ينصتوا إلى ـ وأن يتعلموا من ـ ديك سيلا عن عملية الإنقاذ التي قادها ألكسندر هاملتون في عام 1825؛ ومن تشارلي كالوميريس عن أزمة أوفريند، جورني؛ ومن مايكل بوردو عن أول إفلاس للإخوة بارينج؛ ومن باري ايتشنجرين، وكريستي رومر، وبن برنانكي عن فترة الكساد الأعظم.

وإذا لم يسارع خبراء الاقتصاد الكلي المعاصرون إلى إعادة الاتصال بالتاريخ ـ وإذا لم يدركوا العناصر التي بلورت نظرياتهم وما المغزى من المغامرة التجارية ـ فإن مهنتهم ستذبل وتموت.



حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2009.

www.project-syndicate.org



الاقتصادية


وصف الــ Tags لهذا الموضوع   جامعة بابل كلية الادارة والاقتصاد الاقتصاد الازمة المالية الكساد الموارد البشرية استغلال