أكبر أثرياء العالم أمام قانونين مختلفين



Rating  0
Views   1973
حوراء رزوقي عباس القريشي
16/10/2012 10:45:04



أ.د. محمد إبراهيم السقا
في كتابهما القيم بعنوان   لماذا تسقط الأمم؟  Why Nations Fail، يستعرض المؤلفان دارون أسيموجلو وجيمس روبنسون بالتحليل العوامل التي تؤدي إلى علو شأن الأمم في العالم وتطورها، والعوامل التي تقف وراء سقوطها أو تقف حائلة أمام تحقيقها مستويات مرتفعة من النمو والرفاه، ويؤكد الكاتبان في أكثر من موضع في الكتاب، أهميةَ القواعد الدستورية والقانونية في تهيئة الأمم نحو النهضة، وفي دفع الأمم نحو السقوط في الوقت ذاته، ليس ذلك فقط، إنما أيضًا قوة المؤسسات داخل الأمم التي تفرض للقانون هيبته، وتتأكد من أن الجميع يعامل على قدر متساوٍ من الحقوق والواجبات في الوقت ذاته، ومن أن الحاكم يعمل لمصلحة المجموع لا لمصلحة فئة محددة من الناس التي يطلق عليها دائمًا لفظ الصفوة، ومن أن الجميع يملك الفرصة نفسها في الإبداع وتحقيق طموحاته في أن يكون منتجًا وثريًّا طالما أنه يعمل لتحقيق ذلك في إطار من الاحترام لقوى السوق والقانون، والتأكد من أن الجميع، خصوصًا ذوي النفوذ منهم، لا يوجهون السوق لمصلحتهم الخاصة، ولا يقفون حائلاً دون دخول منافسين لهم.

يضرب المؤلفان مثلاً على ذلك بحالة الملياردير الأمريكي بيل جيتس، الذي احتل لسنوات عدة مركز أكبر أثرياء العالم، وماركوس سليم الذي يحتل حاليًّا كرسي أغنى أغنياء العالم. بيل جيتس ملياردير أمريكي ينتمي إلى أسرة أمريكية متواضعة المستوى من الناحية المادية، انخرط في نظام تعليمي صقل له مواهبه، وعاش في مناخ أعمال لم يمنعه من تحقيق
جامعة بابل كلية الادارة والاقتصاد لماذا تسقط الاممحلمه، بل هيأ له الفرصة كاملة كي يصبح المالك الرئيس لإمبراطورية صناعة برامج الحاسوب في العالم، طالما أنه يعمل في إطار القانون. بيل جيتس بدأ نشاطه من الصفر تقريبًا في مجال برامج الحاسوب من خلال إنشاء شركة مايكروسوفت، وبسبب الابتكارات المستمرة التي قامت بها مايكروسوفت وأنشطة البحث والتطوير التي دأبت على تخصيص الأموال اللازمة لها، أصبحت من أضخم الشركات الأمريكية والعالمية في الوقت ذاته، يعمل فيها الكثير من الأمريكيين، وتولد دخلاً سنويًّا كبيرًا للولايات المتحدة، وهي من دون شك إحدى اللآلئ الناصعة في التاج الأمريكي، باعتبارها رائدة صناعة برامج الحاسوب في العالم، التي لم تستطع أي شركة منافسة أخرى أن تنتزع منها هذه المكانة عالميًّا حتى اليوم.
لم تمنع كل هذه الخصائص التي يتصف بها بيل جيتس، ولا المزايا التي تقدمها شركته التي وضعت الولايات المتحدة في مركز رائدة صناعة وتصدير برامج الحاسوب في العالم، من أن تحيل مايكروسوفت إلى المحكمة بتهمة إساءة استغلال وضعها كمحتكر لصناعة برامج الحاسوب، وكشركة تمارس ممارسات احتكارية من خلال دمج برنامج متصفح الإنترنت إكسبلورر ضمن برنامج تشغيل الحاسوب ويندوز ، فكان أن أدى ذلك إلى التأثير بشكل سلبي في أهم منافسيها في هذا المجال في ذلك الوقت، وهو متصفح الإنترنت نت سكيب ، وعندما تأكد القاضي من أن مثل هذه الممارسات أدت إلى التأثير السلبي في منافسيها، لم يجد أي غضاضة في أن يدين شركة مايكروسوفت، ويحكم عليها بغرامة عدة مليارات من الدولارات نتيجة ما قامت به من ممارسات احتكارية تؤثر في مستوى المنافسة في سوق الشركات صاحبة متصفحات الإنترنت.

لم تكتف الولايات المتحدة بذلك، إنما وضعت شركة مايكروسوفت بعد ذلك تحت المراقبة للتأكد من أنها لن تستخدم قوتها السوقية في فرض تأثيرها الاحتكاري على منافسيها داخل الولايات المتحدة في المستقبل. النظام القانوني والمؤسسات القانونية في الولايات المتحدة تفعل ذلك مع شخص مثل بيل جيتس، على الرغم مما يمثله هذا الرجل للاقتصاد الأمريكي ولقوته التنافسية، لتتأكد من أن الفرصة متاحة أمام الجميع للمنافسة، وأيضًا لتفتح الباب أمام كل شخص لأن يصبح مثل بيل جيتس، أو ربما أفضل منه طالما أن مواهبه وإبداعاته تسمح له بذلك وفي إطار من القانون.

كارلوس سليم ملياردير مكسيكي من أصل لبناني ومن أسرة متواضعة المستوى من الناحية المادية أيضًا، بدأ كذلك نشاطه من الصفر، لكنه تحول إلى أكبر ملياردير في العالم بطريق آخر، مستغلاً في ذلك علاقاته السياسية والقانون والمبادئ الدستورية المكسيكية مع الأسف الشديد. عندما عرضت شركة تلميكس المكسيكية للاتصالات للتخصيص كان كارلوس سليم أحد المتقدمين لشراء الأسهم المعروضة للشركة، ومع أنه لم يكن صاحب أفضل العروض المقدمة لشراء الحصة المعروضة للبيع، إلا أنه تمكن من إرساء العطاء عليه، وتلك قصة تتكرر بشكل متوالٍ في الدول المتخلفة، حيث يصل من لديه القدرة على توجيه الأمور لمصلحته، ممتطيًا في ذلك من يستطيع وما يستطيع بما في ذلك القانون. سرعان ما سيطرت تلميكس على سوق الاتصالات في المكسيك، ولمع نجم كارلوس سليم عاليًا في سماء رجال الأعمال على مستوى العالم، وأصبح إمبراطور صناعة الاتصالات في أمريكا اللاتينية، وأخيرًا أثرى أثرياء العالم.

ثارت شبهات كثيرة حول كارلوس، وأقيمت ضده دعاوى جنائية أمام المحاكم المكسيكية، لكن قضاة التحقيق لم يتمكنوا من إدانته، بل على العكس من بيل جيتس، استطاع كارلوس أن يفلت من الملاحقة الجنائية بثغرة في القانون المكسيكي، من خلال استخدام مادة قانونية تمنحه الحق في الحماية، بالتأكيد من شَرَّعوا القانون المكسيكي وضعوا مثل هذه المادة لحماية بعض المواطنين من الظلم الذي يمكن أن يقع عليهم، لكنهم لم يتخيلوا بالتأكيد أنها ستكون طوق النجاة لشخص مثل كارلوس، وأفلت كارلوس من المحاكمة مثل الشعرة من العجين. لماذا لم يستطع بيل جيتس أن يفلت من المحاكمة والعقوبة، بينما صال كارلوس وجال تحت غطاء قانوني مدعومًا من الساسة، الذين بالتأكيد لم تخلُ أفواههم من طعام كارلوس. إنها دقة وقوة القانون وطبيعة المؤسسات التي تضمن تطبيقه على الجميع.

عندما اتسعت أعمال كارلوس سليم فكر في أن يمد نشاطه إلى الولايات المتحدة، حيث الفرص أوسع وأعمق من تلك المتاحة في المكسيك، وأسس بالفعل إحدى الشركات هناك؛ لأن ماركوس لا يتقن إلا نموذج أعمال واحدًا يقوم على الاحتيال على القانون وشراء من يقومون على تطبيقه بمن فيهم الساسة، حاول تطبيق أساليبه التي يتقنها في الثراء السريع في الولايات المتحدة، لكنه اصطدم بقوة القانون الأمريكي، وقدمت شركته للمحاكمة ومثلما حدث مع مايكروسوفت ، تم تغريمه نحو نصف مليار دولار، في رسالة وجهتها له المحاكم الأمريكية، مفادها: بأنه إذا أردت أن تعمل هنا فيجب عليك استخدام قواعد اللعب النظيف؛ ولأن اللعب النظيف لا يُمكِّن شخصًا مثل كارلوس من أن يصبح ثريًّا من خلال السوق الأمريكية، اضطر ماركوس إلى إغلاق شركته هناك.

هذان نموذجان من رجال الأعمال، لكنهما يعملان في بيئة قانونية ومؤسساتية مختلفة، فبيل جيتس يعتلي قطاعًا مهمًّا في الولايات المتحدة، لكن أرباحه يذهب جانبٌ منها للميزانية الأمريكية في صورة ضرائب تُبْنَى بها الطرق والمدارس والمستشفيات، ويدفع منها إعانات للعاطلين عن العمل، وهو فضلاً عن ذلك يخصص جانبًا مهمًّا من دخله لأعمال الخير، ومن أرباح شركته لأغراض البحث والتطوير لضمان استمرار إبداعات مايكروسوفت وتدفق منتجاتها بحلول أفضل للبشرية، في صورة إصدارات جديدة من برنامج ويندوز والبرامج الأخرى التي تنتجها الشركة. كارلوس على الجانب الآخر يشغل قطاعًا مهمًّا في المكسيك أيضًا، لكن الجانب الأكبر من أرباحه تذهب إلى جيبه الخاص ولتوسيع إمبراطورتيه، وعلى العكس من مايكروسوفت ، لم نسمع أن تليمكس قدمت ابتكارًا للعالم يحيل حياتنا على نحو أفضل مثلما تفعل مايكروسوفت . كارلوس يستخدم قوته الاحتكارية وعلاقاته السياسية والقانون لضمان استمرار هيمنته على صناعة الاتصالات في المكسيك، بينما لا يستطيع بيل جيتس أن يفعل ذلك في صناعة برامج الحاسوب.. إنه يستخدم أساليب أخرى تقوم على الإبداع والابتكار والمنافسة استنادًا إلى قوى السوق، أو باختصار قواعد اللعب النظيف.

لا عجب إذن أن نجد الولايات المتحدة دولة متقدمة، يتمتع من يعيشون فيها بمستوى دخل مرتفع ورفاهية أعلى، بينما نجد المكسيك، التي يفصلها عن الولايات المتحدة سور شائك فقط، يمثل الخط الجغرافي الوهمي الفاصل بين الدولتين، تعيش في عالم آخر. باختصار شديد فإن القوانين الصارمة والمؤسسات القوية التي تضمن تطبيق القانون بنزاهة وعدالة وحزم هي التي تضمن فرش الطريق أمام ازدهار الأمم، وضعف القانون ومؤسسات الدولة التي تقوم بتطبيقه هي التي تتسبب في سقوطها أو الحيلولة دون تقدمها.





وصف الــ Tags لهذا الموضوع   جامعة بابل كلية الادارة والاقتصاد قوة المؤسسات بيل جيتس الابتكارات الشركات الاقتصاد